فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إذن .. خلص للنص القرآنى سلامته من ذكر بولس ، سواء قلنا: إن الرسل المذكورين هم رسل الله ، أو قلنا: إنهم رسل عيسى عليه السلام .. على كلا القولين ، ليس لبولس نصيب فيهما .
ولكن لبولس نصيب آخر ، ليس في آيات الرحمن فهيهات ، ولكن في أقوال بعض علماء المسلمين .. وذلك أن الذين أخذوا بهذا القول الثانى المرجوح ، من علماء المسلمين ومفسريهم ، اختلفوا في تعيين أسماء هؤلاء الرسل ، بعدما اتفقوا على أنهم رسل رسول الله عيسى عليه السلام .. وفى اختلافهم هذا لم يجتمعوا على أن بولس هو أحدهم ، ولكن منهم من جعل بولس أحدهم ، ومنهم من لم يذكره من الثلاثة .. ثم إن هؤلاء الذين جعلوه واحدًا من الثلاثة اختلفوا ، منهم من جعله أحد الرسولين الأولين ، ومنهم من جعله الثالث .
ماذا فعل باحثنا الهمام ؟!
ترك القول الراجح والمؤيد بالأدلة من الآية .. وعدل عنه إلى القول الواهن ..
لكنه وجد أن أصحاب القول الواهن لا يجتمعون على تعيين بولس من الثلاثة المذكورين ، فترك من أهملوا بولس ، وذكر الرواية التى عينت بولس من الرسل ، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا .
إن من ظن أن هذا التعيين من بعض علماء المسلمين ، يخدمه في محاولة رفع قدر بولس ، فهو واهم يتكلم بغير علم .
وإنما هذا الظن الجاهل قاد إليه الجهل بمسألتين عظيمتين .. الأولى: أن المسلم لا يعتقد بعصمة علمائه ، وعلماؤه هم الذين لقنوه ذلك .. والثانية: أن المسلم لا يحتاج إلى تعيين ما لم يعينه القرآن ، لأن غرض القصة يتحقق دون ذكر هذا التعيين .
المسألة الأولى ..
المسلم لا يعتقد بأن كل قول لعالم من المسلمين يجب الأخذ به ، أو أنه يلزمه في دينه ، وإنما الذى يلزمه به ، ولا يخلص له إيمانه إلا به ، هو كلام الرحمن جل وعلا ، وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام .
وأما كلام العلماء فهو كلام من ليس بمعصوم ، وإنما العصمة في اجتماعهم ، لأن أمة محمد عليه الصلاة والسلام لا تجتمع على ضلالة ، فالذى أجمع عليه العلماء يلزم المسلم في دينه ، وأما ما اختلفوا فيه من المسائل الخبرية والتشريعية ، فللمسلم أن يأخذ بالقول الذى يوافق الكتاب والسنة ، وله أن يضرب بما خالف الكتاب والسنة عرض الحائط ، نصحنا علماؤنا أنفسهم بذلك !
وما قررناه سابقًا غير مستساغ لغير المسلم ، لأنه يغالى في تعظيم سادته وكبرائه ، ويفرط في اتباع أحباره ورهبانه ، وهذا يفسر لنا سر إنكار البعض على المسلمين عدم تمسكهم بكل قول للعلماء ، لأنهم تصوروا أن المسلم يعامل"علماءَ"دينه ، كما يعامل غير المسلم"رجالَ"دينه !
والجهل بهذه المسألة .. الجهل بأن المسلم لا يلتزم بكل قول لعالم ، هو الذى قاد إلى الظن بأن القول المنقول عن بعض علماء المسلمين يلزم المسلم ، ويُحسب على القرآن .. فإذا قال بعض علماء المسلمين: إن بولس هو أحد الرسل المذكورين في سورة يس ، لزم ذلك المسلم ، ولزم ذلك القرآن ، فيكون القرآن هو الذى قال إن بولس رسول الله ! .. وقد بينا ما في هذا الظن الخاطئ من خطل ، وبينا سبب الجهل الذى قاد إليه ، وأوقع فيه .. فكن من ذلك على بينة .
المسألة الثانية ..
يبهم القرآن كثيرًا من أسماء شخصياته ، في قصصه العظيم ، ولا يؤثر ذلك عند المسلم في فهم القصة ، لأن ما أبهمه القرآن لا يقف الجهل به عائقًا أمام فهم أحداث القصة الرئيسية ، التى يريد القرآن إيصالها للمتلقى ، وصولًا به إلى استخلاص العبر الحكيمة والعظات الجليلة .
لكن غير المسلم تعود من كتابه غير ذلك .. تعود الإغراق في التفصيلات النافعة وغير النافعة .. لم يتعود على أسلوب القرآن في تنقية القصة مما يشتت ذهن المتلقى عن موطن العبر والعظات .. وبالتالى يستنكر بشدة أن يغفل القرآن ذكر بعض التفصيلات ، التى لا يضره إغفالها لو فقه وتدبر .
ثم يغتر بما يذكره المفسرون في كتبهم ، من مرويات عن بنى إسرائيل وغيرهم ، تذكر كثيرًا من هذه التفصيلات التى أهملها القرآن ، فلا يفهم هذا الصنيع من المفسرين ، فيظن أنهم يريدون تكملة ما"نقص"من القرآن ، ولم يعلم أنهم يدركون كمال القرآن ، ويدركون أن فيما ذكره الكفاية .. لكنه الثراء العلمى ، والأمانة العلمية ، ومحاولة الاستئناس بما لا يضر إغفاله .
لكنه لم يفطن إلى سر صنيع مفسرينا الكرام ، فيظن أن فيما ذكروه من تفصيلات يُحسب على القرآن ، فيكون بمثابة أن القرآن قاله ، لأن القرآن لم يصرح به لكن ذكره المفسر عند تفسير الآية ، فيظن أن قول المفسر في منزلة نص القرآن ، من جهة إلزام المسلم في دينه .. فيكون على ذلك عنده ، أنه إذا ذكر بعض المفسرين أن بولس من هؤلاء الرسل الثلاثة ، يكون ذلك موضحًا لما أبهمه القرآن ، فيكون"تكميلًا"للقرآن ، وبالتالى له حجية القرآن في نفس المسلم ، فيلزمه الأخذ به .