فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بل إن هذا الإقرار منا ، عند التنزل ، لا يضر هؤلاء العلماء ولا مقامهم عندنا ، لأنه ليس من شرط رفعة قدر العالم في الإسلام ألا يخطئ ، فإنه لا يحيط بعلم هذا الدين إلا خاتم المرسلين ، بما نزله على قلبه رب العالمين .. وقد كان في صحابة رسول الله من يجهل بعض المسائل ، ولم يعلمها إلا بعد موت النبى عليه الصلاة والسلام ، ولم ينقص ذلك من قدرهم عند الناس ، ولا عند الله .. فلا يضر هؤلاء العلماء إقرارنا بغياب معلومة عنهم .. لا ينقص من قدرهم أبدًا عندنا .. ولا في ميزان أحكم الحاكمين
على ضوء ما فات ، نناقش ما كتبه زميلنا"البابلى"تفصيليًا ، كاشفين عواره ، ومبينين الصواب بإذن الله .
تقول:"بالحرف الواحد يقول المفسر بان الرسول الثالث هو: بولس"..
تحسب بذلك أنك توهم قارئك المسكين ، بأن ابن كثير يعتنق رأيك ، وابن كثير لا يقول أصلًا بأن رسل يس هم حواريي عيسى ، ناهيك عن أن ينص على بولس ولا غيره .. لكن هذا الإيهام إن راج على المسيحى المسكين ، فلا يدخل على المسلم المطلع بحال .
يقول ابن كثير في تفسيره: ج 3 ص 567:
"يقول تعالى: واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون .. قال ابن إسحاق فيما بلغه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبه: إنها مدينة أنطاكية ، وكان بها ملك ، يقال له: انطيخس ابن انطيخس بن انطيخس ، وكان يعبد الأصنام ، فبعث الله تعالى إليه ثلاثة من الرسل ، وهم صادق وصدوق وشلوم ، فكذبهم .. وهكذا روي عن بريدة بن الخصيب ، وعكرمة ، وقتادة ، والزهري ، أنها: إنطاكية ..وقد استشكل بعض الأئمة كونها إنطاكية بما سنذكره ، بعد تمام القصة ، إن شاء الله تعالى"
وبعد تمام القصة وفى ابن كثير بما وعد ، يقول في ص 570:
"وقد تقدم عن الكثير من السلف ، أن هذه القرية هي انطاكية ، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلًا من عند المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام .. وفي ذلك نظر من وجوه:"
"أحدهما: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل ، لا من جهة المسيح عليه السلام ، كما قال تعالى"إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون .."إلى أن قالوا".. ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا البلاغ المبين".. ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح عليه السلام ، والله تعالى أعلم .. ثم .. لو كانوا رسلَ المسيح لما قالوا لهم"إن أنتم إلا بشر مثلنا".."
"والثاني: أن أهل انطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم ، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة .. فإذا تقرر أن انطاكية أول مدينة آمنت ، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله ، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم ، والله أعلم .."
"الثالث: أن قصة انطاكية مع الحواريين بين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة ، وقد ذكر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغير واحد من السلف ، أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين .. ذكروه عند قوله تبارك وتعالى"ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى".. ا.هـ"
إذن .. ابن كثير لا يقول بأن بولس من رسل المسيح ، لأنه أصلًا لا يؤمن بأن رسل يس هم رسل عيسى عليه السلام ، وإنما يقول بأنهم رسل الله عز وجل ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد .
ثم تستشهد بتفسير الجلالين ، الذى رأى أن الرسل هم رسل عيسى عليه السلام ، وهو يتابع في ذلك أصحاب هذا الرأى دون بينة ، وقد بينا سابقًا رأينا في موقف المفسرين الأوائل ، كقتادة وغيره ، وأما من تابعوهم من مفسرينا المتأخرين كالجلالين وغيرهما ، فنقول مثلما علمونا: كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا محمد عليه الصلاة والسلام ، ولا ينقص هذا من قدرهم عندنا ولا عند الله .. ثم إن قولهم بأنهم رسل عيسى عليه السلام ، ليس فيه حجة على أن بولس كان منهم ، فبولس سيخرج خاوى الوفاض من كلا الرأيين كما بينا سابقًا ، لأنه حُرم شرف صحبة عيسى عليه السلام .
ثم تزعم بعدها أنك ستستشهد على صحة دعواك من أقوال محمد .. صلى الله عليه وسلم ، ثم تنقل لنا ما يلى من رواية ابن إسحاق:
"أن رسول الله خرج على اصحابه فقال لهم: ان الله بعثني رحمة وكافة ، فادوا عني يرحمكم الله ، ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم ، قالوا: وكيف يا رسول الله كان اختلافهم ؟ قال: دعاهم لمثل ما دعوتكم له ، فاما من قرب به فاحب وسلم ، واما من بهد فكره وابى ، فشكا ذلك عيسى منهم الى الله ، فاصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وُجه اليهم"
أين ذكر بولس على لسان النبى عليه الصلاة والسلام ؟ .. أين ما ادعيته من الاستشهاد من أقوال النبى عليه الصلاة والسلام ؟ ..