فهرس الكتاب

الصفحة 1479 من 4557

".. ليس في القرآن آية تنطق بأن الحواريين رسل الله ، بل ولا صرح في القرآن بأنه أرسلهم ، لكن قال في سورة يس:"واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما ، فعززنا بثالث ، فقالوا: إنا إليكم مرسلون . قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيء ، إن أنتم إلا تكذبون . قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا البلاغ المبين . قالوا: إنا تطيرنا بكم ، لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم . قالوا: طائركم معكم ، أئن ذكرتم ؟ بل أنتم قوم مسرفون . وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ، قال: يا قوم اتبعوا المرسلين . اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون . ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ؟ . أأتحذ من دونه آلهة ، إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون . إني إذًا لفي ضلال مبين . إني آمنت بربكم فاسمعون . قيل: ادخل الجنة ، قال: يا ليت قومي يعلمون . بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين . وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء ، وما كنا منزلين . إن كانت إلا صيحة واحدة ، فإذا هم خامدون . يا حسرة على العباد ! ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون".."

"فهذا كلام الله ، ليس فيه ذكر أن هؤلاء المرسلين كانوا من الحواريين ، ولا أن الذين أرسلوا إليهم آمنوا بهم ، وفيه أن هؤلاء القوم ـ الذين أرسل إليهم هؤلاء الثلاثة ـ أنزل الله عليهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون .."

"وقد ذكر طائفة من المفسرين ، أن هؤلاء كانوا من الحواريين ، وأن القرية: أنطاكية ، وأن هذا الرجل اسمه: حبيب النجار .. ثم إن بعضهم يقول: إن المسيح أرسلهم في حياته .."

"لكن المعروف عند النصارى ، أن أهل إنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم ، لم يهلك الله أهل إنطاكية ، والقرآن يدل على أن الله أهلك قوم هذا الرجل الذي آمن بالرسل .."

"وأيضًا فالنصارى يقولون: إنما جاءوا إلى أهل إنطاكية بعد رفع المسيح ، وإن الذين جاءوا كانوا اثنين ، لم يكن لهما ثالث ، قيل: أحدهما شمعون الصفا ، والآخر بولص ، ويقولون: إن أهل إنطاكية آمنوا بهم ، ولا يذكرون حبيب النجار ، ولا مجيء رجل من أقصى المدينة ، بل يقولون: إن شمعون وبولص دعوا الله حتى أحيا ابن الملك .."

"فالأمر المنقول عند النصارى ، أن هؤلاء المذكورين في القرآن ليسوا من الحواريين ، وهذا أصح القولين عند علماء المسلمين وأئمة المفسرين ، وذكروا أن المذكورين في القرآن في سورة يس ليسوا من الحواريين ، بل كانوا قبل المسيح ، وسموهم بأسماء غير الحواريين ، كما ذكر محمد بن إسحاق ، قال سلمة بن الفضل: كان من حديث صاحب يس ، فيما حدثني محمد بن إسحاق ، عن ابن عباس ، وعن كعب ، وعن وهب بن منبه ، أنه كان رجلًا من أهل إنطاكية ، وكان اسمه حبيبا ، وكان يعمل الحرير ، وكان رجلًا سقيمًا ، قد أسرع فيه الجذام ، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة يتاجر ، وكان مؤمنًا ذا صدقة ، يجمع كسبه إذا أمسى ـ فيما يذكرون ـ فيقسمه نصفين ، فيطعم نصفه عياله ، ويتصدق بنصفه ، وكان بالمدينة التي هو بها ـ مدينة إنطاكية ـ فرعون من الفراعنة ، يقال له: إنطخس بن إنطنخس ، يعبد الأصنام ، صاحب شرك ، فبعث الله إليه المرسلين ، وهم ثلاثة صادق وصدوق وشلوم ، فقدم الله إليه وإلى أهل المدينة منهم اثنين فكذبوهما ، ثم عزز الله بالثالث .."

"وروى الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى"واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث": لكي تكون الحجة عليهم أشد ، فأتوا أهل القرية ، فدعوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له ، فكذبوهم ، فأتوا على رجل في ناحية القرية في زرع له ، فسألهم الرجل: ما أنتم ؟ قالوا: نحن رسل رب العالمين ، أرسلنا إلى أهل هذه القرية ، ندعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، قال لهم: أتسألون على ذلك أجرًا ؟ قالوا: لا ، قال: فألقى ما في يده ، ثم أتى أهل المدينة ، فقال:"يا قوم اتبعوا المرسلين . اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون".."

"وهذا القول هو الصواب ، وأن هؤلاء المرسلين كانوا رسلًا لله قبل المسيح ، وأنهم كانوا قد أرسلوا إلى إنطاكية ، وآمن بهم حبيب النجار ، فهم كانوا قبل المسيح ، ولم تؤمن أهل المدينة بالرسل ، بل أهلكهم الله تعالى ، كما أخبر في القرآن ، ثم بعد هذا عمرت إنطاكية ، وكان أهلها مشركين ، حتى جاءهم من جاءهم من الحواريين ، فآمنوا بالمسيح على أيديهم ، ودخلوا دين المسيح .."

"ويقال: إن إنطاكية أول المدائن الكبار الذين آمنوا بالمسيح عليه السلام ، وذلك بعد رفعه إلى السماء ، ولكن ظن من ظن من المفسرين أن المذكورين في القرآن هم رسل المسيح وهم من الحواريين ، وهذا غلط لوجوه:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت