فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
"منها: أن الله قد ذكر في كتابه ، أنه أهلك الذين جاءتهم الرسل ، وأهل إنطاكية لما جاءهم من دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يهلكوا .."
"ومنها: أن الرسل في القرآن ثلاثة ، وجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى ، والذين جاءوا من أتباع المسيح كانوا اثنين ، ولم يأتهم رجل يسعى ، لا حبيب ولا غيره .."
"ومنها: أن هؤلاء جاءوا بعد المسيح ، فلم يكن الله أرسلهم .."
"وهذا ، كما أن الله ذكر في القرآن ، أنه أهلك أهل مدين بالظلة ، لما جاءهم شعيب ، وذكر في القرآن ، أن موسى أتاها ، وتزوج ببنت واحد منها ، فظن بعض الناس أنه شعيب النبي ، وهذا غلط عند علماء المسلمين ، مثل ابن عباس والحسن البصري وابن جريج وغيرهم ، كلهم ذكروا أن الذي صاهره موسى ليس هو شعيبًا النبي ، وحُكى أنه شعيب عمن لا يعرف من العلماء ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين ، كما بسطناه في موضعه ، وأهل الكتاب يقرون بأن الذي صاهره موسى ليس هو شعيبًا ، بل رجل من أهل مدين ، ومنهم من يقول: إنها غير مدين التي أهلك الله أهلها ، والله أعلم .."
"وكذلك ذكر المفسرون في المرسلين: هل أرسلهم الله ؟ أو أرسلهم المسيح ؟ قولين: أحدهما: أن الله هو الذي أرسلهم .. قال أبو الفرج ابن الجوزي: وهذا ظاهر القرآن ، وهو مروي عن ابن عباس وكعب ووهب بن منبه ، قال: وقال المفسرون في قوله"إن كانت إلا صيحة واحدة": أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ، وصاح بهم صيحة واحدة ، فإذا هم ميتون ، لا يسمع لهم حس كالنار إذا أطفئت ، وذلك قوله"فإذا هم خامدون"أي: ساكنون كهيئة الرماد الخامد .. ومعلوم عند الناس أن أهل إنطاكية لم يصبهم ذلك بعد مبعث المسيح ، بل آمنوا قبل أن يبدل دينه ، وكانوا مسلمين مؤمنين به على دينه ، إلى أن تبدل دينه بعد ذلك .."
"ومما يبين ذلك ، أن المعروف عند أهل العلم ، أنه بعد نزول التوراة ، لم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم ، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار ، كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة ، وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السماء ، فدل ذلك على أن هؤلاء الرسل المذكورين في يس كانوا قبل موسى عليه السلام .."
"وأيضًا ، فإن الله لم يذكر في القرآن رسولًا أرسله غيره ، وإنما ذكر الرسل الذين أرسلهم هو"
"وأيضًا ، فإنه قال:"إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث".. فأخبر أنه أرسلهم ، كما أخبر أنه أرسل نوحًا وموسى وغيرهما .."
"وفي الآية"قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيء".. ومثل هذا هو خطاب المشركين لمن قال: إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي .. لا لمن جاء رسولًا من عند رسول .."
"وقد قال بعد هذا:"يا حسرة على العباد ! ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون".. وهذا إنما هو في الرسل الذين جاءوهم من عند الله ، لا من عند رسله .."
"وأيضًا ، فإن الله ضرب هذا مثلًا لمن أرسل إليه محمدًا ، يحذرهم أن ينتقم الله منهم كما انتقم من هؤلاء ، ومحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ إنما يضرب له المثل برسول نظيره ، لا بمن أصحابه أفضل منهم ، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين ، ولم يبعث الله بعد المسيح رسولًا ، بل جعل ذلك الزمان زمان فترة كقوله"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل".."
"وأيضًا ، فإنه قال تعالى:"إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون . قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا".. ولو كانوا رسل رسول ، لكان التكذيب لمن أرسلهم ، ولم يكن في قولهم"إن أنتم إلا بشر مثلنا شبهة ؛ فإن أحدًا لا ينكر أن يكون رسلُ رسلِ الله بشرًا ، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرًا ..
"وأيضًا ، فلو كان التكذيب لهما ، وهما رسل الرسول ، لأمكنهما أن يقولا: فأرسلوا إلى من أرسلنا أو إلى أصحابه ، فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه .. بخلاف ما إذا كانا رسل الله .."