فهرس الكتاب

الصفحة 1533 من 4557

قال الله تعالى في كتابه العزيز:: ( الم {1} غُلِبَتِ الرُّومُ {2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ {3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ {4} بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ {5} وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {6} (سورة الروم) .

تمهيد:

كانت الإمبراطورية الفارسية تقع شرقي الجزيرة العربية، على الساحل الآخر للخليج العربي، على حين كانت الإمبراطورية الرومانية تمتد عن غربي الجزيرة على ساحل البحر الأحمر إلى ما فوق البحر الأسود.

وقد سميت الأولى ـ أيضًا ـ بالإمبراطورية الساسانية، والأخرى بالبيزنطية.

وكانت حدود الإمبراطوريتين تصل إلى الفرات ودجلة، في شمال الجزيرة العربية. وكانتا أقوى حكومتين شهدهما ذلك العصر.

ويبدأ تاريخ الإمبراطورية الرومانية ـ كما يرى المؤرخ"جبن"ـ في القرن الثاني بعد الميلاد، وكانت تتمتع حينئذ بمكانتها كأرقى دولة حضارية في العالم.

وقد شغل المؤرخين تاريخ زوال الروم، كما لم يشغلهم زوال أية حضارة أخرى (1) .

وليس يغني كتاب من الكتب التي ألفت حول هذا الموضوع عن الكتب الأخرى، ولكن يمكن اعتبار كتاب المؤرخ"أدوارد جبن"،"تاريخ سقوط وانحداد الإمبراطورية الرومانية" (2) أكثرهم تفصيلًا وثقة، وقد ذكر المؤرخ في الجزء الخامس من كتابه الوقائع المتعلقة ببحثنا هنا.

اعتنق الملك"قسطنطين"الدين المسيحي عام 325م، وجعله ديانة البلاد الرسمية، فآمنت بها أكثرية رعايا الروم. وعلى الجانب الآخر، رفض الفرس ـ عباد الشمس ـ هذه الدعوة.

وكان الملك الذي تولى زمام الإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن السابع الميلادي هو"موريس"، وكان ملكًا غافلًا عن شؤون البلاد والسياسة، ولذلك قاد جيشه ثورة ضده، بقيادة"فوكاس Phocas""."

وأصبح فوكاس ملك الروم، بعد نجاح الثورة، والقضاء على العائلة الملكية بطريقة وحشية، وأرسل سفيرًا له إلى إمبراطور إيران"كسرى أبرويز الثاني"وهو ابن"أنوشيروان"العادل.

وكان"كسرى"هذا مخلصًا للملك"موريس"، إذ كان قد لجأ إليه عام 590ـ 591م، بسبب مؤامرة داخلية في الأمبراطورية الفارسية، وقد عاونه"موريس"بجنوده لإستعادة العرش. ومما يروى أيضًا أن"كسرى"تزوج بنت"موريس"، أثناء إقامته ببلاد الروم، ولذلك كان يدعوه"بالأب".

ولما عرف بأخبار انقلاب الروم، غضب غضبًا شديدًا، وأمر بسجن السفير الرومي، وأعلن عدم اعترافه بشرعية حكومة الروم الجديدة.

وأغار"كسرى أبرويز"على بلاد الروم، وزحفت جحافله عابرة نهر الفرات إلى الشام. ولم يتمكن"فوكاس"من مقاومة جيوش الفرس التي استولت على مدينتي"انطاكية والقدس"، فاتسعت حدود الإمبراطورية كالنسطورية، واليعقوبية ـ حاقدة على النظام الجديد في روما، فناصرت الفاتحين الجدد، وتبعها اليهود، مما سهل غلبة الفرس.

وأرسل بعض أعيان الروم رسالة سرية إلى الحاكم الرومي في المستعمرات الإفريقية يناشدونه إنقاذ الإمبراطورية، فأرسل الحاكم جيشًا كبيرًا بقيادة ابنه الشاب"هرقل"فسار بجيشه في الطريق البحرية، بسرية تامة .. حتى إن"فوكاس"لم يدر بمجيئهم إلا عندما شاهد الأساطيل وهي تقترب من السواحل الرومانية، واستطاع هرقل ـ دون مقاومة تذكر أن يستولي على الإمبراطورية، وقتل"فوكاس"الخائن.

بيد أن هرقل لم يتمكن، برغم استيلائه على الإمبراطورية، وقتله"فوكاس"من إيقاف طوفان الفرس.. فضاع من الروم كل ما ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة، وجنوبيها. لم يعد العلم الصليبي يرفرف على العراق، والشام، وفلسطين، ومصر، وآسيا الصغرى، بل علتها راية الفرس:"درفش كاوياني"!!!

وتقلصت الإمبراطورية الرومانية في عاصمتها، وسدت جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس، وعم القحط، وفشت الأمراض الوبائية، ولم يبق من الإمبراطورية، غير جذور شجرها العملاق. وكان الشعب في العاصمة خائفًا يترقب ضرب الفرس للعاصمة، ودخولهم فيها، وترتب على ذلك أن أغلقت جميع الأسواق، وكسدت التجارة، وتحولت معاهد العلم، والثقافة إلى مقابر موحشة مهجورة .

وبدأ عباد النار يستبدون بالرعايا الروم للقضاء على المسيحية..

فبدأوا يسخرون علانية من الشعائر الدينية المقدسة، ودمروا الكنائس، وأراقوا دماء ما يقرب من 100.000من المسيحيين المسالمين. وأقاموا بيوت عبادة النار في كل مكان، وأرغموا الناس على عبادة الشمس والنار، واغتصبوا الصليب المقدس، وأرسلوه إلى"المدائن".

ويقول المؤرخ"جبن"في المجلد الخامس من كتابه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت