فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
"ولو كانت نوايا"كسرى"طيبة في حقيقة الأمر، لكان اصطلح مع الروم بعد قتلهم"فوكاس"، ولاستقبل"هرقل"كخير صديق أخذ بثأر حليفه، وصاحب نعمته"موريس"، بأحسن طريقة، ولكنه أبان عن نواياه الحقيقة عندما قرر مواصلة الحرب" (3) .
ويمكن قياس الهوة الكبرى التي حدثت بين الروم والفرس من خطاب وجهه"كسرى"إلى"هرقل"من بيت المقدس، قائلًا:
"من لدن الإله كسرى، الذي هو أكبر الآلهة، وملك الأرض كلها، إلى عبده اللئيم الغافل هرقل: إنك تقول: إنك تثق في إلهك! فلماذا لا ينقذ إلهك القدس من يدي!؟"
واستبد اليأس، والقنوط بهرقل من هذه الأحوال السيئة، وقرر العودة إلى قصره الواقع في"قرطاجنة"على الساحل الإفريقي.. فلم يعد يهمه أن يدافع عن الإمبراطورية، بل كان شغله الشاغل إنقاذ نفسه.. وأرسلت السفن الملكية إلى البحر، وخرج"هرقل"في طريقه ليستقل إحدى هذه السفن إلى منفاه الاختياري.
وفي هذه الساعة الحرجة تحايل كبير الأساقفة الروم باسم الدين والمسيح، ونجح في إقناع"هرقل"بالبقاء، وذهب"هرقل"مع الأسقف إلى قربان"سانت صوفيا"يعاهد الله تعالى على أنه لن يعيش أو يموت إلا مع الشعب الذي أختاره الله له .
وبإشارة من الجنرال الإيراني سين (Sain) أرسل (هرقل) سفيرًا إلى"كسرى"طالبًا منه الصلح، ولكن لم يكد القاصد الرومي يصل إلى القصر، حتى صاح"كسرى"في غضب شديد:"لا أريد هذا القاصد! حتى يهجر إلهه، الصليبي، ويعبد الشمس ألهتنا" (4) .
وبعد مضي ستة أعوام على الحرب، رضي الإمبراطور الفارسي أن يصالح هرقل على شروط معينة هي أن يدفع ملك الروم"ألف تالنت (5) من الذهب، وألف تالنت من الفضة، وألف ثوب (6) من الحرير، وألف جواد، وألف فتاة عذاراء".
ويصف"جبن"هذه الشروط بأنها"مخزية"دون شك، وكان من الممكن أن يقبلها"هرقل"لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفعها من المملكة المنهوبة، والمحدودة الأرجاء، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثورة كمحاولة أخيرة، ضد أعدائه.
وبينما سيطرت على العاصمتين الفارسية، والرومية هذه الأحداث، فقد سيطرت على شعب العاصمة المركزية في شبه الجزيرة العربية ـ وهي"مكة"المكرمة ـ مشكلة مماثلة: كان الفرس مجوسًا من عباد الشمس والنار، وكان الروم من المؤمنين بالمسيح، وبالوحي، وبالرسالة، وبالله تعالى. وكان المسلمون مع الروم ـ نفسيًا ـ يرجون غلبهم على الكفار، والمشركين، كما كان كفار مكة مع الفرس، لكونهم من عباد المظاهر المادية. وأصبح الصراع بين الفرس، والروم رمزًا خارجيًا للصراع الذي كان يدور بين أهل الإسلام وأهل الشرك في"مكة"وبطريقة نفسية كانت كل من الجماعتين تشعر بأن نتيجة هذا الصراع الخارجي هي نفس مآل صراعهما الداخلي. فلما انتصر الفرس على الروم قرب البحر الميت عام 616م، واستولوا على جميع المناطق الشرقية من دولة الروم، انتهزها المشركون فرصة للسخرية من المسلمين، قائلين: لقد غلب إخواننا على إخوانكم، وكذلك سوف نقضي عليكم، إذا لم تصطلحوا معنا تاركين دينكم الجديد!! وكان المسلمون بمكة في أضعفن وأسوأ أحوالهم المادية، وفي تلك الحالة البائسة، صدرت كلمات من لسان الرسول صلى ا لله عليه وسلم:
بسم الله الرحمن الرحيم:: ( الم {1} غُلِبَتِ الرُّومُ {2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ {3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ {4} بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ {5} وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {6} (سورة الروم) .
وتعليقًا على هذه النبوة يكتب"جبن":
"في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوة، لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعًا، لأن السنين الإثنتي عشرة الأولى من حكومة"هرقل"كانت تؤذن بانتهاء الإمبراطورية الرومانية" (7) .
ولكن من المعلوم أن هذه النبوة جاءت من لدن من هو مهيمن على كل الوسائل: والأحوال، ومن بيده قلوب الناس، وأقدارهم، ولم يكد يبشر بهذه البشرى، حتى أخذ انقلاب يظهر على شاشة الإمبراطورية الرومانية.
ويرويه"جبن"على النحو التالي: