فهرس الكتاب

الصفحة 1537 من 4557

يقولون في نقد الإعجاز في قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) [الروم: 2-3] :

"درج المفسرون على تفسير أدنى بمعنى الأقرب. وأيضا القرآن نفسه يستعمل أدنى بمعنى أقرب. ولكن طلع علينا السيد الزنداني بفتوى أن أدنى هي أخفض. بينما لا نجد مشكلة في القرآن لاستعمال"أخفض"ككلمة."

وحيث أن أدنى بحسبه تعني أخفض فيجب أن تكون المعركة تمت بالقرب من القدس كي تكتمل المعجزة. من غير دليل على أن الآية تشير إلى معركة الفرس والرومان سوى إشارة أخفض الأرض. والتي يجب أن تكون القدس.

الملفت للنظر بأن المسلمين لم يهتموا بدراسة تاريخ تلك الحقبة لتحديد تلك المعركة التي انتصر فيها الفرس على الروم. ولكن صانعوا المعجزات لا يجدون غضاضة في تجاهل التاريخ وعدم البحث عن الحقيقة طالما وافقت هواهم" (1) ."

هذا ما قرأته على موقعهم، وسوف نستمع الآن إلى قول القرآن العظيم وأن المعجزة ثابتة ولا يمكن لإنسان عاقل أن يتجاهلها أو يشكِّك في مصداقيتها.

أدنى الأرض

يحدثنا القرآن في عصر لم يكن باستطاعة أحد أن يقيس أخفض نقطة على سطح اليابسة من الأرض، يحدثنا عن هذه المنطقة بالذات، وأن معركة وقعت فيها وكانت نتيجتها انتصار الفرس على الروم. يقول تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 1-7] .

لقد حدَّدت هذه الآيات موقع المعركة في (أدنى الأرض) فما هو معنى هذه العبارة؟ وهل يمكن أن نفهمها بأنها تعني فقط (أقرب الأرض) كما فسَّرها المفسِّرون الأوائل رحمهم الله تعالى أم أن هنالك معاني أخرى؟ وهل هنالك معجزة في هذه الآية الكريمة؟

رحلة من التأملات

لقد تأملت هذا النص الكريم طويلًا واطلعتُ على تفاسيره فوجدتُ أن المفسرين يفسرون قوله تعالى (أدنى الأرض) بأقرب الأرض (2) أي أقرب أرض الروم إلى أرض العرب وهي أغوار البحر الميت أي المنطقة المحيطة بهذا البحر.

ولكن الذي لفتَ انتباهي هو أن عبارة (أدنى الأرض) عامة وليست خاصة بأرض العرب، أي أن القرآن في هذه الآية يطلق صفة (أدنى) على الأرض دون تحديد أرض معينة، ولذلك فقد فهم المفسرون أن الأدنى هو الأقرب بسبب أنهم لم يتصوّروا أن هذه المعركة قد وقعت في أخفض منطقة على وجه اليابسة.

وهذه هي عظمة القرآن أن المعجزة تبقى مختفية قرونًا طويلة على الرغم من المحاولات الكبيرة لفهمها إلا أن الله تعالى يُظهرها في الوقت المناسب لتبقى آيات الله مستمرة وقائمة إلى يوم القيامة، ولو أن المفسرين استطاعوا تفسير القرآن كله إذن سوف تتوقف المعجزة! والله تعالى قد تعهّد بأنه سيرينا آياته وينبغي علينا ألا ننكرها، يقول تعالى: (وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) [غافر: 81] .

ثم تأملتُ قوله تعالى عن المسجد الأقصى وهو مسجد يقع في مدينة القدس التي لا تبعد سوى عشرين كيلو مترًا عن منطقة البحر الميت حيث دارت المعركة، يقول تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء: 1] . وبدأت التساؤلات: كيف يصِف الله تعالى منطقة البحر الميت بأنها"أقرب الأرض"، ثم يعود ويصِف المسجد الموجود هناك بأنه"المسجد الأقصى"أي الأبعد؟؟

ثم تأملتُ في الخرائط الجغرافية فوجدتُ بأن المنطقة التي وقعت فيها المعركة وهي التي سماها القرآن بـ (أدنى الأرض) تبعد عن مكة أكثر من ألف ومئتي كيلو مترًا، فكيف تكون هذه الأرض هي"الأقرب"وهي تقع على هذه المسافة الكبيرة؟ وكيف يكون المسجد الأقصى هو"الأبعد"وهو يقع على نفس المسافة من مكة المكرمة حيث نزلت هذه الآيات؟

ثم تساءلتُ: لو أن الله تعالى يقصد كلمة (أقرب) فلماذا لم يستخدم هذه الكلمة؟ إذن كلمة (أدنى) هي المقصودة وهي الكلمة التي تعطي المعنى الدقيق والمطلوب وهذا ما سنراه يقينًا.

معاني متعددة للكلمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت