فهرس الكتاب

الصفحة 1538 من 4557

نعلم بأن الله تعالى قد خلق سبع سماوات طباقًا وسمى السماء السفلى أي أخفض سماء سمَّاها (السماء الدنيا) ، فقال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت: 12] . وهنا كلمة (الدنيا) جاءت بمعنى الأقرب من الأرض، ولكن تتضمن معنى آخر وهو الطبقة السفلى بين طبقات السماء السبعة. وسُمِّيت بالدنيا لدنوِّها من الأرض (3) .

ويقول أيضًا: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [السجدة: 21] . ويفسر المفسرون كلمة (الأدنى) هنا بمصائب الدنيا وأمراضها. وهنا لا يمكن أن تكون (الأدنى) بمعنى الأقرب بل (الأصغر) لأن الله تعالى يقارن في هذه الآية بين نوعين من أنواع العذاب:

1- (الْعَذَابِ الْأَدْنَى)

2- (الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ)

إذن في هذه الآية نحن أمام مقياسين هما (الأدنى) و (الأكبر) أي الأصغر والأكبر، كما نعبر عنه في مصطلحاتنا اليوم بالحدّ الأدنى والحد الأعلى، ونقصد الأصغر والأكبر.

يقول تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة: 7] .وهنا جاءت كلمة (أدنى) بمعنى أقلّ لأنها قد أُتبعت بكلمة (أكثر) . ونرى أن كلمة أدنى تُستخدم هنا مع الأعداد (4) .

كيف نفهم الآية؟

إذن من معاني كلمة (أدنى) لدينا: الأقل والأصغر والأقرب، فما هي المنطقة على سطح الكرة الأرضية والتي تتصف بهذه الصفات الثلاث؟ إنها منطقة البحر الميت، فهي:

1-الأقرب: حيث هي أقرب أرض للروم إلى أرض العرب.

2-الأصغر: فهذه المنطقة مساحتها صغيرة جدًا ولا تتجاوز الكيلو مترات المعدودة، وذلك مقارنة بمساحة سطح الأرض والتي تزيد على ملايين الكيلو مترات المربعة.

3-الأقلّ: فهذه المنطقة هي الأقل ارتفاعًا على سطح اليابسة، فهي تنخفض عن سطح البحر بمقدار 400 مترًا تقريبًا، ولا يوجد في العالم كله أدنى من هذه النقطة إلا ما نجده في أعماق المحيطات.

ولذلك فإن فهمنا لهذه الآية على هذا النحو لا يتعارض مع القرآن وكذلك لا يتعارض مع معطيات العلم، ثم إنهم يعترضون على أن كلمة (أدنى) تفسرها المعاجم اللغوية على أنها (أقرب) ، وأن هذه المعاجم لم تورد كلمة (أخفض) ضمن معاني الكلمة.

ولكننا نجد المعاجم تورد معنى الأسفل أو الوادي ضمن معاني هذه الكلمة، فعلى سبيل المثال لدينا في القاموس المحيط في معنى كلمة (دنا) : تقول العرب الأدنيان وهما واديان (5) . وفي لسان العرب: والأَدْنَى: السَّفِلُ، فالعرب لا تستغرب أن يكون ضمن معاني هذه الكلمة هو الأسفل أو الوادي (6) .

ولكننا نجد هؤلاء القوم يأخذون من المعاني ما يتفق مع حججهم الواهية، ويتركون المعاني التي لا تروق لهم.

هل القرآن تابع للمعاجم اللغوية؟

وهنا نود أن نقول: هل نحن ملزمون بأن نفهم القرآن كله على ضوء المعاجم؟ ولو كان هذا صحيحًا إذن لأمكن تفسير القرآن بالكامل ولم يعد هالك حاجة للمفسرين والمجتهدين! ولنفرض أننا لم نعثر على معنى كلمة ما في المعاجم، فهل هذا يعني أن القرآن غير صحيح؟! مثلًا كلمة (الم) و (الر) و (كهيعص) هذه الكلمات غير موجودة في المعاجم، فهل هذا يعني أنها غير صحيحة؟

طبعًا كلام الله تعالى هو الأساس الذي يجب أن ننطلق منه وليس المعاجم اللغوية، وذلك لأن هذه المعاجم تم وضعها بعد نزول القرآن بمئات السنين، وكذلك التفاسير. وتجدر الإشارة إلى أن معظم الانتقادات التي يوجهها هؤلاء لكتاب الله يعتمدون فيها على الفهم القديم للآية وعلى فهم المفسرين لها، وينسون أن هنالك معجزة متجددة للقرآن تتجلى في كل عصر من العصور بما يتناسب مع علوم العصر.

فمثلًا عندما فهم المفسرون من قوله تعالى: (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية: 20] أن الأرض ليست كروية بل مسطحة، وذلك حسب معطيات عصرهم، فهل نتابعهم على هذا الفهم ونخالف حقائق العلم؟ أم أننا نتدبر القرآن لنجد أنه لا تناقض بين القرآن والعلم! لأن كلمة (سُطِحَتْ) تعني أن الله قد مهَّدها وجعلها صالحة للحياة، بعكس القمر الذي نجد سطحه مليئًا بالمرتفعات والوديان مما يجعله غير مسطح وغير قابل للحياة. وهذا يعني أن الله تعالى قد جعل للكرة الأرضية سطحًا ممهدًا.

فمثلًا إذا قلنا"انظر إلى هذه القبة كيف أن الذي صمَّمها وصنعها جعل لها سطحًا رائعًا"لا يعني هذا الكلام أن القبة أصبحت مستوية، بل جميع الأجسام تملك سطحًا.

إن هذه الدقة العلمية في استخدام الكلمات القرآنية هي ما نجده في قول الحق تبارك وتعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت