فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لم تكن النظرة السابقة هي السائدة فبعض المستشرقين المتعمقين في العربية عقدوا موازنات بين القرآن والحديث النبوي من حيث الأسلوب والمحتوى، واستنتجوا أن هناك أسلوبين في البيان، ومضمونين في المعاني والمبادئ؛ فأسلوب القرآن معجز لفظا ومعنى، وهو ينبئ عن مصدر علوي رباني، أما أسلوب الحديث فيومئ عن قدرة بلاغية بشرية متفوقة، وكذلك فإن مضامين القرآن ومعانيه كلية عامة في معظمها، أما مضامين الحديث ومعانيه فهي المفصلة والمبينة والشارحة لتلك المعاني القرآنية الكلية، على أن في بعضها تشريعا جديدا، ومعاني حديثة خاصة.
النبي وبُحيرا الراهب
أما المستشرق الإنجليزي بودلي فيذكر في كتابه"الرسول حياة محمد"أن النبي كان يجالس بحيرا الراهب ويتعلم منه طويلا؛ فقد ظل الراهب يحادث العربي الصغير، وكأنما يحادث رفيقا من رفقائه فأخبره بعقيدة عيسى وسفه عبادة الأصنام، وأرهف محمد السمع إلى ما ينطق الرجل به.
وفي موضع آخر من الكتاب ذكر بودلي: وكان على محمد أن يتلقى نزرا يسيرا من التعليم المدرس، ولكنه كان يحصل أكثر من أي طالب يمضي سحابة يومه في حجرة الدرس، كذا يتحدث بودلي وغيره من المستشرقين المغرضين عن تأثيرات نصرانية ويهودية للرسول في صغره، عن طريق سوق عكاظ وخطب قس بن ساعدة التي كانت تحظى بسمعة كبيرة بين شعراء العرب قبل الإسلام.
مستشرقون.. منصفون
ورغم هذه الهجمات فإن هناك عددا من المستشرقين لزموا جانب الإنصاف، وقطعوا بدقة القرآن الكريم، وبأنه يحوي كل ما تلاه محمد (صلى الله عليه وسلم) كما سمعه من الوحي الذي تلقاه من ربه صادقا كاملا.
فالمستشرق الإنجليزي الكولونيل"بودلي"في كتابه"الرسول حياة محمد"رغم أنه يشكك في نبوة الرسول ويشير إلى تأليفه القرآن، فإنه يعود ليعارض نفسه حين يصف القرآن بأنه وحي من الله؛ حيث يقول إن القرآن كتاب وحي لم يوضع للمطالعة وتزجية الفراغ وإنما وضع للتبشير والإيحاء والتذكير، ولن يتذوقه المطالع المتصفح كما يتذوقه السامع المصغي إليه بظاهر حسه وباطن نفسه لأنه يتطلب الإيمان ويتحدث إلى المؤمنين.
كما خصص المستشرق دكتور"فيليب حِتي"فصلا بعنوان القرآن كتاب الله ضمن كتابه تاريخ العرب، ذكر فيه أن دارسي القرآن من نقادة العلم الحديث اتفقوا على صحة الرواية في نسخ القرآن المتداولة اليوم، وأن هذه النسخ مطابقة للأصل الذي أقره زيد بن ثابت، وأن نص القرآن المعروف اليوم هو كما أنزل على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
أما المستشرق الفرنسي ليبون فيقول: حَسْب هذا الكتاب القرآن الكريم جلالا ومجددا أن الأربعة عشر قرنا التي مرت عليه لم تستطع أن تخفف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضا كأن عهده بالوجود أمس.
ويقول"ديزيزيه بلانشيه"مؤلف كتاب"دراسات في التاريخ الديني": ولقد أتى محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب تحدى به البشر جميعا أن يأتوا بسورة من مثله فقعد بهم العجز وشملتهم الخيبة وبهتوا أمام ذلك الإحراج القوي الذي أغلق في وجوههم كل باب، وكان في العرب أساطين اللغة وأعظم الأدباء والشعراء والبلغاء من لا يدانيهم في اللغة العربية أحد، ومع ذلك قصرت قدراتهم وعجزت عن التحدي، وما زال التحدي قائما حتى اليوم وسوف يظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ والضامن لاستمرارية هذا التحدي أنه كلام الله.
أما"آن ماري شميل"فتصرح بأن"القرآن هو المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم والدليل القاطع على صحة نبوته، وأنه رسالة الله إلى الناس كافة، وأن القرآن هو المهيمن على ما سلفه من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء والرسول، وأنه -أي القرآن- يخاطب العقل والضمير والوجدان."
يقول"ماسينون": إن القرآن نظام عالمي واقعي موحى فهو ينظم تطبيق كل حادثة من أحداث الوجود وشرحها وتقديرها، إنه بالنسبة إلى جميع المؤمنين بمثابة ذاكرة أعدت أتم الإعداد أو مذكرة إحصائية للمفردات المضمونة والقابلة للتطبيق دائما والتي تتيح التمرين للتأمل، إنه رفقة أبدية للإدارة البشرية ومجموعة من العظات للأفعال العملية وللتأملات الباطنية التي تركز الانتباه في البراهين على المجد الإلهي بصورة لا تنقطع، والقرآن هو الذي يقوم بدور تبسيط مشكلة منهج الحياة أمام المؤمنين؛ لأن هذه المجموعة من القوانين الموحاة هي التي تغذي الذاكرة وتحل عقال العقل دون أن يكون لدى الفكر حاجة للتردد.
ويقول د. موريس الفرنسي: إن القرآن أفضل كتاب أخرجته العناية الأزلية لنبي، وأنه كتاب لا ريب فيه.
ويقول ألكس لوازون: خلف محمد للعالم كتابا هو آية البلاغة ومسجل الأخلاق، وهو كتاب مقدس وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثا أو أن المكتشفات الحديثة مسألة تتعارض مع الأسس الإسلامية؛ فالانسجام تام بين تعاليم القرآن والقوانين الطبيعية.