فهرس الكتاب

الصفحة 1563 من 4557

ضعف الحديث المرسل:

الوجه الثاني: وهو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين:

الأول: أن الحديث المرسل ولوكان المرسل ثقة لا يحتج به عند أئمة الحديث كما بينه ابن الصلاح في"علوم الحديث"وجزم هو به فقال ( ص 58 ) :

ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه . . . وما ذكرناه من سقوط الإحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر وقد تداولوه في تصانيفهم

الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثيين بالمرسل من الحديث فاعلم أن سبب ذلك إنما هو جهالة الوساطة التي روى عنها المرسل الحديث وقد بين ذلك الخطيب البغدادي في"الكفاية في علم الرواية"حيث قال ( ص 287 ) بعد أن حكى الخلاف بالعمل المرسل:

والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل وأن المرسل غير مقبول والذي يدل على ذلك أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه وقد بينا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عرفت عدالته

فوجب كذلك كونه غير مقبول وأيضا فإن العدل لو سئل عمن أرسل عنه ؟ فلم يعدله لم يجب العمل بخبره إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره وتعديله لأنه مع الإمساك عن ذكره غير معدل له فوجب أن لا يقبل الخبر عنه

وقال الحافظ ابن حجر في"شرح نخبة الأفكار" ( ص 17 ) بعد أن ذكر الحديث المرسل في"أنواع الحديث المردود":

وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف لأنه يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا ويحتمل أن يكون ثقة وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر وعلى الثاني فيعود الإحتمال السابق ويتعدد أما بالتجويز العقلي فإلى مالا نهاية وأما بالإستقراء فإلى ستة أو سبعة وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف لبقاء الإحتمال وهو أحد قولي أحمد وثانيهما: يقبل مطلقا وقال الشافعي رضي الله عنه: يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندا كان أو مرسلا ليترجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر

قلت: فإذا عرف أن الحديث المرسل لا يقبل وأن السبب هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أن القول بأنه يقوى بمرسل آخر غير قوي لإحتمال أن يكون كل من أرسله إنما أخذه عن راو واحد وحينئذ ترد الاحتمالات الذي ذكرها الحافظ وكأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال وقوته فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مرسله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول كما حكاه ابن الصلاح ( ص 35 ) وكأن ذلك ليغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسلين هو غيره في المرسل الآخر

وهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي رحمه الله فاحفظها وراعها فيما يمر بك من المرسلات التي يذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسلين دون أن يراعوا هذا الشرط المهم

ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نص أيضا على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة والموضوعة ( حديث 405 / 221 ) فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى:

وأما أسباب النزول فغالبها مرسل ليس بمسند لهذا قال الإمام أحمد: ثلاث علوم لا إسناد لها . وفي لفظ: ليس لها

أصل: التفسير والمغازي والملاحم . يعني أن أحاديثها مرسلة ليست مسندة

والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها . وأصح الأقوال: أن منها المقبول ومنها المردود ومنها الموقوف فمن علم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قبل مرسله ومن عرف أنه يرسل عن الثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله فهو موقوف . وما كان من المراسيل مخالفا لما رواه الثقات كان مردودا وإن جاء المرسل من وجهين كل من الروايين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب . . .""

قلت: ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسل من هذا النوع ليس بالأمر الهين فإنه لوتحققنا من وجوده فقد يرد إشكال آخر وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفا وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه . وهذا التحقيق مما لم أجد من سبقني إليه فإن أصبت فمن الله تعالى وله الشكر وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفر الله من ذنبي

وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد مرسلوه أحد الاحتمالين: الأول: أن يكون مصدر المرسلين واحدا

الثاني: أن يكونوا جمعا ولكنهم جميعا ضعفاء ضعفا شديدا . وبعد هذه المقدمة نستطيع أن نقول:

إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة لألفيناها كلها مرسلة حاشا حديث ابن عباس ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل فيبقى النظر في هذه المراسيل وهي كما علمت سبعة صح إسناد أربعة منها وهي مرسل سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية ( رقم 1 - 3 ) ومرسل قتادة رقم ( 5 ) وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين لأنهم من طبقة واحدة: فوفاة سعيد بن جبير سنة ( 95 ) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة ( 94 ) وأبي العالية - واسمه رفيع مصغرا - سنة ( 90 ) وقتادة سنة بضع عشرة ومائة والأول كوفي والثاني مدني والأخيران بصريان

فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه واحدا لا غير وهومجهول

وجائز أن يكون جمعا ولكنهم ضعفاء جميعا فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقبول حديثهم هذا لا سيما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمس المقام الكريم فلا جرم تتابع العلماء على إنكارها بل التنديد ببطلانها ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا وإن كنت لم أقف على من صرح بذلك كما ذكرت آنفا . قال الفخر الرازي في"تفسيره" ( 6 / 193 ) :

روى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة ( 1 ) أنه سئل عن هذه القصة ؟ فقال:

هذا من وضع الزنادقة"وصنف فيه كتابا . وقال الإمام أبوبكر أحمد بن الحسين البيهقي:"هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل"ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم وأيضا: فقد روى البخاري في"صحيحه"أن"

( 1 ) هوالإمام ابن خزمة صاحب"الصحيح"المعروف به وقد تبع الفخر في عزوهذا الكلام لابن خزيمة المحقق الشوكاني في"فتح القدير" ( 3 / 447 ) . وأما ابن حيان فعزاه في تفسيره"البحر"لمحمد ابن اسحاق جامع"السيرة النبوية". وتبعه الآلوسي في تفسيره ( 17 / 161 ) . والأرجح عندي الأول لأن الحافظ ابن حجر ذكر في"الفتح" ( 8 / 354 ) تبعا لابن كثير أن ابن اسحاق روى هذه القصة في"السيرة"مطولا فهذا يبعد نسبة ذلك القول إليه ولوكان له لنبه عليه الحافظ عقب ذلك والله أعلم

النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ( النجم ) وسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق

وقد تبع هؤلاء جماعة من الأئمة العلماء وهاك أسماءهم على ترتيب وفياتهم:

1 -أبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد المعروف بابن العربي توفي سنة ( 542 ) في تفسيره"أحكام القرآن"

2 -القاضي عياض بن موسى بن عياض ( 544 ) في كتابه"الشفا في حقوق المصطفى"

3 -فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن الرازي ( 606 ) في تفسيره"مفاتيح الغيب" ( 6 / 193 - 197 ) وقد مضى بعض كلامه في ذلك

4 -محمد بن أحمد الأنصاري أبوعبدالله القرطبي في"أحكام القرآن" ( 12 / 80 - 84 )

5 -محمد بن يوسف بن علي الكرماني من شراح"البخاري" ( 786 ) وقد نقل كلامه في ذلك الحافظ في"الفتح" ( 8 / 498 )

6 -محمود بن أحمد بدر الدين العيني ( 855 ) في"عمدة القاري" ( 9 / 47 )

7 -محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني ( 1250 ) في"فتح القدير" ( 3 / 247 - 248 )

8 -السيد محمود أبوالفضل شهاب الدين الآلوسي ( 1270 ) في"روح المعاني" ( 17 / 160 - 169 )

9 -صديق حسن خان أبوالطيب ( 1307 ) في تفسيره"فتح البيان"

10 -محمد عبده المصري الأستاذ الإمام ( 1323 ) في رسالة خاصة له في هذه القصة

وإذا عرفت هذا فلا بأس من ذكر كلمات بعض هؤلاء العلماء لما فيها من الفوائد والتحقيقات التي تزيد القارئ إيمانا ببطلان القصة وتجعله يتبين أن النقد العلمي الرجيح يتفق دائما مع النقد الحديثي الصحيح لأن كلا منهما يقوم على قواعد علمية دقيقة لا تقبل التغيير والتبديل وأنا أكتفي هنا بكلمات أربعة منهم . ومن شاء الزيادة فليرجع إلى المصادر الأخرى التي أشرنا إليها والأربعة هم: 1 - ابن العربي 2 - القاضي عياض 3 - الشوكاني 4 - الآلوسي

1 -كلام أبي بكر بن العربي في إبطال القصة:

قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر سبب نزول آية الحج التي ذكرناها في أول الرسالة ملخصا من الروايات التي أوردناها:

"اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه أن الهدى هدى الله فسبحان من تفضل به على من يشاء ويصرفه عمن يشاء وقد بينا معنى هذه الآية في"فضل تنبيه الغبي على مقدار النبي"بما نرجوبه عند الله الجزاء الأوفى في مقام الزلفى ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغماء ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء في عشر مقامات"

المقام الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقيق أنه رسول من عنده ولولا ذلك لما صحت الرسالة ولا تبينت النبوة فإذا خلق الله له العلم به تميز عنده من غيره وثبت اليقين واستقام سبيل الدين ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم شيطان أم أنسان أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلاما وبلغت إليه قولا لم يصح أن يقول: إنه من عند الله ولا ثبت عندنا أنه أمر الله فهذه سبيل متيقنة وحالة متحققة لا بد منها ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها ولوجاز للشيطان أن يتمثل فيها أويتشبه بها ما أمناه على آية ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة فارتفع بهذا الفصل اللبس وصح اليقين في النفس

المقام الثاني: أن الله قد عصم رسوله من الكفر وأمنه من الشرك واستقر ذلك من دين المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشك فيه طرفة عين فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه بل لا تجوز عليه المعاصي في الأفعال فضلا عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد بل هو المنزه عن ذلك فعلا واعتقادا وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول بأوضح دليل

المقام الثالث: أن الله قد عرف رسوله بنفسه وبصره بأدلته وأراه ملكوت سماواته وأرضه وعرفه سنن من كان قبله من إخوته فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم ونحن حثالة أمته ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبا على وجهه غير عارف بنبيه ولا بربه

المقام الرابع: تأملوا فتح الله أغلاق النظر عنكم إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام ممن صرح بعداوته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جلس مع قريش تمنى أن لا ينزل عليه من الله وحي ( 1 ) فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر بباله أن النبي صلى الله عليه وسلم آثر وصل قومه على وصل ربه وأراد أن لا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من عند ربه من الوحي الذي كان حياة جسده

( 1 ) انظر السبب السادس من أسباب بطلان القصة متنا ص 36

وقلبه وأنس وحشته وغاية أمنيته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس فإذا جاءه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة فيؤثر على هذا مجالسته للأعداء ؟

المقام الخامس: أن قول الشيطان:"تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى"للنبي صلى الله عليه وسلم قبله منه فالتبس عليه الشيطان بالملك واختلط عليه التوحيد بالكفر حتى لم يفرق بينهما وأنا من أدنى المؤمنين منزلة وأقلهم معرفة بما وفقني الله له وآتاني من علمه لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله ولو قاله أحد لكم لتبادر الكل إليه قبل التفكير بالإنكار والردع والتثريب والتشنيع فضلا عن أن يجهل النبي صلى الله عليه وسلم حال القول ويخفى عليه قوله ولا يتفطن لصفة الأصنام بأنها"الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتجى"وقد علم علما ضروريا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ولا تضر ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع بهذا كله كان يأتيه جبريل الصباح والمساء وعليه انبنى التوحيد ولا يجوز نسخه من جهة المنقول فكيف يخفى هذا على الرسول ؟ ثم لم يكف هذا حتى قالوا: إن جبريل عليه السلام لما عاد إليه بعد ذلك ليعارضه فيما ألقي إليه من الوحي كررها عليه جاهلا بها - تعالى الله عن ذلك - فحينئذ أنكرها عليه جبريل وقال له:"ما جئتك بهذا"فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه:"وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت