فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إليك لتفتري علينا غيره" [ الإسراء: 73 ] فيالله والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد موسوس هامد لا يعلم أن هذه الآية نافية لما زعموا مبطلة لما رووا وتقولوا . وهو:"
المقام السادس: وذلك أن قول ابن العربي:"كاد يكون كذا"معناه قارب ولم يكن فأخبر الله في هذه الآية أنهم قاربوا أن يفتنوه عن الذي أوحي إليه ولم تكن فتنة ثم قال:"لتفترى علينا غيره" [ الإسراء: 73 ] وهو:
المقام السابع: ولم يفتر ولو فتنوك وافتريت لاتخذوك خليلا فلم تفتتن ولا افتريت ولا اتخذوك خليلا"ولولا أن ثبتناك" [ الإسراء: 74 ] وهو:
المقام الثامن:"لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا" [ الإسراء: 74 ] فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه ثبته وقرر التوحيد والمعرفة في قلبه وضرب عليه سرادق العصمة وآواه في كنف الحرمة ولو وكله إلى نفسه ورفع عنه ظل عصمته لحظة لألممت بما راموه ولكنا أمرنا عليك المحافظة وأشرقنا بنوره الهداية فؤادك فاستبصر وأزاح عنك الباطل ودحر فهذه الآية نص في عصمته من كل ما نسب إليه فكيف يتأولها أحد عدوا ( 1 ) عما نسب إليه من الباطل إليه ؟
( 1 ) كذا في الأصل
المقام التاسع: قوله:"فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) [ الحج: 52 ] [ انظر الرواية 3 ، 4 ، 6 ] فأما غمه وحزنه فبأن تمكن الشيطان مما تمكن مما يأتي بيانه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعز عليه أن ينال الشيطان شيئا وإن قل تأثيره"
المقام العاشر: إن هذه الآية نص في غرضنا دليل على صحة مذهبنا أصل في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه أنه قاله عندنا وذلك أنه قال تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) [ الحج: 52 ] [ الأصل ( تلاوته ) ] فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم إذا قالوا عن الله قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي كما تقول: ألقيت في الدار كذا وألقيت في العكم [ بكسر العين: العدل ] كذا وألقيت في الكيس كذا فهذا نص في أن الشيطان زاد في الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما إذا قرأ تلا قرآنا مقطعا وسكت في مقاطع الآي سكوتا محصلا وكذلك كان حديثه مترسلا فيه
متأنيا فتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله: ( ومناة الثالثة الأخرى ) [ النجم: 20 ] وبين قوله تعالى: ( ألكم الذكر وله الأنثى ) [ النجم: 21 ] فقال يحاكي صوت النبي صلى الله عليه وسلم:"وإنهن الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى"فأما المشركون والذين في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة فتلوها عن النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوها بجهلهم إليه حتى سجدوا معه اعتقادا أنه معهم وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند الله فيؤمنون به ويرفضون غيره وتجيب قلوبهم إلى الحق وتنفر عن الباطل وكل ذلك إبتلاء من الله ومحنة فأين هذا من قولهم ؟ وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي صلى الله عليه وسلم في الإسرار والإعلان عن الشرك والكفران وقد أودعنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم وحروفه أمامكم فلا تحملوا عليها ما ليس فيها ولا تربطوا بها ما ليس منها وما هدي لهذا إلا الطبري بجلالة قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم وشدة ساعده وذراعه في النظر وكأنه أشار إلى هذا الغرض وصوب على هذا المرمى فقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها ولوشاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها ولكنه فعال لما يريد عصمنا الله وإياكم بالتوفيق والتسديد
وجعلنا من أهل التوحيد بفضله ورحمته""
2 -كلام القاضي عياض في ذلك:
وقال القاضي عياض:
فاعلم أكرمك الله: أن لنا في الكلام على مشكل الحديث مأخذين:
أحدهما في توهين أصله والثاني على تسليمه
أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند متصل سليم وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقله واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته . فقائل يقول: إنه في الصلاة وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك ؟ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: والله ما هكذا أنزلت . إلى غير ذلك من اختلاف الرواة ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين
والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب - الشك في الحديث - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة وذكر القصة . وقال أبوبكر البزار:
هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم يسنده عن شبعة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس""
فقد بين لك أبوبكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه - كما ذكرنا - الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه . وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار والذي منه في"الصحيح""أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ( النجم ) وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس"هذا توهينه من طريق النقل
فأما من جهة المعنى: فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه عليه جبريل
عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر أو سهو وهو معصوم من ذلك كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على قلبه أولسانه لا عمدا ولا سهوا وأن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان أويكون للشيطان عليه سبيل أويتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه وقد قال تعالى: ( ولوتقول علينا بعض الأقاويل ) الآية [ الحاقة: 44 ] وقال ( إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) [ الإسراء: 75 ]
ووجه ثان: وهواستحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الإلتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح والذم متخاذل التأليف والنظم ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟
ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندة المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة وتخليط العدوعلى النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفنية بعد الفنية وارتداد من في قلبه
مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة . كذلك ما روي في قصة القضية ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت فما روي عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلانها واجتثاث أصلها . ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على مغفلي المحدثين يلبس به على ضعفاء المسلمين
ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: ( وإن كادوا ليفتنونك . . . ) الآيتين [ الإسراء: 73 - 74 ] . وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا ليفتنونه حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى قد عصمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا ؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون الافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم:"أفتريت على الله وقلت ما لم يقل"وهذا ضد مفهوم الآية
وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له ؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) [ النساء: 113 ] . وقد روي عن ابن عباس:"كل ما في القرآن"كاد"فهو ما لا يكون"
قال القاضي: ولقد طالبته قريش وثقيف إذا مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعوده الإيمان به إن فعل فما فعل ولا كاد أن يضل وقد ذكرت في معنى الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله برد سفاسفها فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار وراموا من فتنته ومرادنا في ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم الآية
وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لوصح أعاذنا الله من صحته ولكن مع كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة بأجوبة منها الغث والسمين""
قلت: فذكر هذه الأجوبة وضعفها جلها أو كلها إلا الأخير منها فإنه استظهره ورجحه وهو الذي أجاب به ابن العربي فيما تقدم من كلامه ( ص 53 ) :
إن الشيطان هوالذي ألقى ذلك في سكتة النبي صلى الله عليه وسلم بين الآيتين محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم وأشاع ذلك المشركون عنه صلى الله عليه وسلم ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظه السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها على ما عرف منه وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحوهذا وقال:"إن المسلمين لم يسمعوها وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم" ( 1 ) ويكون ما روى من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنه
-رد الحافظ على ابن العربي والقاضي عياض وتعقبنا عليه:
وأما قول الحافظ في"الفتح"بعد أن نقل خلاصة عن الوجوه التي تقدمت عن الإمامين المذكورين في إعلال القصة وتوهينها:
وجميع ذلك لا يتمشى على قواعد فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض
( 1 ) قلت: ونحوه في رواية عروة ( رقم 6 ص 24 - 25 ) وإن كان في آخرها ما يخالف هذا وقد نقلت رواية موسى بن عقبه عن ابن كثير فيما تقدم ( ص 19 )