ثانيًا: معروف لدى الأطباء أن المصروع لا يمكن أن يتذكر ما يحدث له أثناء صرعه، فكيف بحفظ القرآن الكريم ؟ فالمصروع قد يدمر ما حوله، وعندما يفوق من صرعه ويهدأ ينكر ذلك كله بحجة أنه لا يتذكر ذلك. وهذا العرض معروف للصرع. [13]
فكيف إن كان ما تذكره كلامًا أعجز كل من حوله ؟
ثالثا: ما عرف عنه سيدنا محمد rمن رجاحة في عقله وهدوء ومنطق وإقناع في حديثه.. يناقض ذلك.
رابعًا: لم يأت أي عربي مصروع بمثل ما جاء به سيدنا محمد r،بل ولم يتلفظ بحكمة أو بيت شعر ألهمه به عقله أثناء صرعه.
خامسًا: الحالة المذكورة للنبي rحين ينزل الوحي عليه بالقرآن، حالة من حالتين. [14] فكيف يتسق ويتآلف ما سمعه في كل حالة مع الأخرى، فيتألف قرآن عظيم معجز في نظمه ؟
سادسًا: لا يُعقل أن تسمح خديجة لزوجها أن يعتكف في غار حراء وحيدًا، شهرًا كاملًا كل عام وهو يُصرع عادة.
سابعًا: من المعلوم أن المشركين كانوا يضعون حوائجهم عند سيدنا محمد r،وبقيت عنده قبيل الهجرة النبوية، حين أبقى عليًا tليردها إلى أصحابها.. فهل كانوا يضعونها عند مصروع ؟
وكذا كان تعاملهم معه قبل الجهر بالنبوة. [15]
ثامنًا: المصروع لا يستطيع إدارة شؤون بيته، بل شؤونه الشخصية، فكيف بإدارة دولة مترامية الأطراف، يحيط بها الأعداء من الخارج، ويتغلغل فيها المنافقون أعداء الداخل. فكان واضع أول دولة جمعت شتات العرب، بأبرع تخطيط إداري، وحضاري، وعسكري، وزراعي.. مع قدرة لم يُسبَق إليها في الخطابة والإقناع.
لقد تعرض سيدنا محمد rإلى ظروف ومرت به أحداث ينوء عن حملها أشد الرجال.. لا يعقل أن يصبر رجل مصروع على فراق الوطن.. وفقد الولد.. وألم الأذى.. وشماتة العدو، وتنكر الصديق، وعقوق القريب، ونيل الحاسد، وتشفي الحاقد، وتألب الخصوم، وتكالب الأحزاب، وتكاثر المناوئين، وصولة الباطل، وقلة الناصر، وشظف العيش.. وغلبة الخصم، وقتل القريب، وأسر الحبيب، وتشريد الأصحاب، والتنكيل بالأتباع، والجراح في البدن، وفزع التهديد.. وجلافة الأعراب، وصلف الجهلة..
ويصبر على خيانات اليهود، ومراوغة المنافقين، ومجابهة المشركين، وبُطئ استجابة المدعوين. ثم يصبر على فرح الفتح، وسرور الانتصار، وجلبة إقبال الدنيا...
لا يصدر كل ذلك إلا عن أحلم الناس وأعقلهم.
وصدق الله العظيم في رد شبهتهم في سورة الصافات:"وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ 36 بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ 37".
تاسعًا: الآراء في صرع بولس ـ الذي حرَّف النصرانية ـ أدلتها أقوى من مزاعم صرع سيدنا محمد r، وجميع كتب الأمراض النفسية الغربية عندما تؤرخ لمرض الصرع والمشاهير المصابون به تذكر مرض بولس بالصرع بأدلة تاريخية ونصوص من العهد الجديد. [16] فالأصل بهم أن يحذروا من نسبة الصرع إلى سيدنا محمد r، لأنهم بذلك يؤكدون صرع بولس، وأن ما جاء به من تغييرات وثنية في الديانة النصرانية ما هو إلا نتيجة مرضه النفسي، وبهذا ينهار أساس ديانتهم !
واختم هذا المبحث بشهادة مستشرق [17] منصف يرد فيها على تلك الشبهة:"لو كان محمد يعاني منذ طفولته من مرض عضال حقًا، لما تخلى عن تلك الذريعة أبدًا. بل من غير المعقول أن ينجز رجل مريض ما أنجز محمد، فقد كان تاجرًا موهوبًا هادئ الطبع، وقراراته عادة ما تصدر عن غريزة سياسية ذكية متبصرة.. وكان قائدًا بعيد النظر للدولة ولمجتمع ديني نام على حد سواء، وهذه كلها تظهر بما لا يدع مجالًا للشك أنه كان سليمًا معافى.. والذين يقولون بهذا الكلام [أي شبهة الصرع] لم يحلوا المشكلة بقدر ما زادوها تعقيدًا، ويجب أن يساورنا الشك مستقبلًا في إمكانية أي ظاهرة خلل في سلوك محمد".
[1] الغرنوق طائر أبيض من الطيور التي تعيش قرب الماء. وكني بذلك الشاب الأبيض الناعم. انظر: لسان العرب لابن منظور10/287.
[2] انظر: الشفا، القاضي عياض 2/288-289. وزاد المسير، ابن الجوزي5/441. والبحر المحيط، أبي حيان، 6/381. والفتوحات الإلهية، الجمل5/207-210. ومفاتيح الغيب، الرازي12/ 50-55. وأحكام القرآن، ابن العربي3/1299. وروح المعاني، الآلوسي 17/177. وفتح القدير، الشوكاني، 3/362. وأضواء البيان، الشنقيطي 5/727. وفي ظلال القرآن، سيد قطب 4/2431. ومحاسن التأويل، القاسمي 12/52. وقضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، د. فضل حسن عباس، ص118. والإسلام في قفص الاتهام، د. شوقي أبو خليل، ص81. وعتاب الرسول في القرآن، د. صلاح الخالدي، ص101.
[3] انظر بحثًا للشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعنوان:"نصب المنجانيق لنسف قصة الغرانيق". وهو موجود على الإنترنت في الرابط التالي: http://www.alhakekah.com/churche/K.zip