فهرس الكتاب

الصفحة 1693 من 4557

وقد تكلم في جواب هذا كثير من العلماء ، وخاضوا في حكمة إنزال المتشابه ، وذكروا أمورا بعضها قوي ، وبعضها لا يخلو من مقال ، وبعضها يتعجب الناظر فيه كيف أمكن أن يقال ، وبعضها لا يستحق الذكر .

أما أمثلها وأقواها فيما قال العلماء ، فهو أن الحكمة من إنزال المتشابه تتجلى في أمور:

الأول: أن الله أنزله مختبرًا به عباده ؛ فأما المؤمن فلا يداخله فيه شك ولا يعتريه ريب ، وهو بين أمرين ، إما قادر على رده إلى المحكم ، وإما قائل: آمنا به كل من عند ربنا . إن لم يتبين له معناه ، فأمره كله خير ، وتعظم بذلك مثوبته ، وتزيد عند الله درجته .

وأما المنافق فيرتاب ولا يزيده القرآن إلاّ خسارا ، وأما من كان في قلبه زيغ -كأهل البدع - ، فيتبعون المتشابه ؛ ليفتنوا الناس عن القرآن وصحيح السنة وينزلوه على مقتضى بدعتهم .

وسياق الآية وما بعدها دال على أن هذا من حكمة إنزال المتشابه ؛ إذ قال تعالى:

(وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلاّ أولوا الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب( [آل عمران: 7-8] .

فالمؤمنون رغبوا إلى ربهم أن لا يزيغ قلوبهم كما زاغت قلوب أهل الزيغ ، إذ هو - أي المتشابه - فتنة للعقول والقلوب ، وسألوا أن ينزل عليهم رحمة يربط بها على قلوبهم وعقولهم فلا تزيغ ، وفي هذا الإشارة إلى أن أهل الزيغ والبدعة محرومون من بركة هذا الدعاء ، كل بحسب بدعته ، وبعده عن السنة .

وقد ذكر الله في القرآن أنه ينزل ما يمتحن به عباده ؛ ليزداد الذين آمنوا إيمانا ؛ ويضل غيرهم من أهل الضلال ، كما قال تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاُ يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلاّ الفاسقين( [البقرة: 26] .

قال الإمام عبدالرحمن السعدي في تفسيره: ( يقول تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاُ ما( أي مَثَلٍ كان (بعوضة فما فوقها( لاشتمال الأمثال على الحكمة وإيضاح الحق ، الله لا يستحيي من الحق (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم( فيفهمونها ويتفكرون فيها ، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ، إزداد بذلك علمهم وإيمانهم ، وإلاّ علموا أنها الحق ، وما اشتملت عليه حق ، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها ، لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا ، بل لحكمة بالغة ونعمة سابغة ، (وأما الذي كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا( فيعترضون ويتحيرون ، فيزدادون كفرًا إلى كفرهم ، كما ازداد المؤمنون إيمانًا إلى إيمانهم ، ولهذا قال: (يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا( فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية ، قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناُ وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون( [ التوبة: 124 - 125 ] فلا أعظم من نزول الآيات القرآنية ، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة ، وزيادة شر إلى شرهم ، ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم ) (89) .

ومن هذا القبيل قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادِ الذين أمنوا إلى صراط مستقيم( [الحج 52 - 54 ] .

قال ابن القيم: ( والمقصود أن قوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض( هي لام التعليل على بابها ، وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة ، فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر ، والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه ، وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء) (90) .

ومن هذا القبيل أيضًا قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلّا طغيانًا كبيرًا( [الاسراء: 60] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت