فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال ابن كثير - بعدما ذكر تفسير ابن عباس: أن الرؤيا هي ليلة الإسراء ، والشجرة هي شجرة الزقوم -: ( وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد ، وغير واحد ، وتقدم أن ناسًا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق ؛ لأنه لم تحتمل عقولهم وقلوبهم ذلك ، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، وجعل الله ذلك ثباتًا ويقينًا لآخرين ، ولهذا قال: (إلاّ فتنة( . أي اختبارًا وامتحانًا ، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم ، كما أخبرهم رسول الله( أنه رأى الجنة والنار ، ورأى شجرة الزقوم ، فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل - لعنه الله-:هاتوا تمرا وزبدًا ، فجعل يأكل هذا بهذا ويقول:تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا ) (91) .
فهذا كله يدل على أن الله يختبر عباده بما شاء ، وإنزاله المتشابه من هذا فإنه فتنة ، وقد ضل به كثير ممن ضل عن الحق ، كما رفع الله به أهل الإيمان بيقينهم ، ورسوخهم درجات من عنده .
الثاني: إن في إنزال المتشابه إظهارا لفضل العلماء وتفاضلهم فيما بينهم ، وفيه أيضًا تعريضهم لمزيد من المشقة والصعوبة في معرفة الحق منها ، فيعظم أجرهم ، ويرتفع عند الله شأنهم .
وأيضًا فإنه يدعوهم لتحصيل علوم كثيرة ، نيط بها استنباط ما أريد بالمتشابه من الأحكام الحقة ، فتتسع بذلك علومهم . وأيضًا فإنه يدرب العلماء على استنباط المعاني الدقيقة ، فتقوى بذلك بصائرهم ، ولو أنزل القرآن كله محكمًا ، لاستوى في معرفته العالم والجاهل ، ولم يكن في استنباط ما فيه مشقة توجب عظيم المثوبة (92) .
وقال الإمام فخر الدين الرازي:"من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات . وقال: إنكم تقولون: إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة. ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه ، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هوالمرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا ؟"
الجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد منها:
أنه يوجب المشقة في الوصول إلى المراد ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب (93) .
الثالث: أنه لو كان القرآن كله محكما ، لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد ، وكان بصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله ، وعن النظر فيه والانتفاع به ، فإذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه ، طمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه ، وينصر مقالته ، فينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب ، وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ، وبهذه الطرق يتخلص المبطل من باطله ويتوصل إلى الحق.
الرابع: أن القرآن إذا كان مشتملا على المتشابه ، افتقر إلى العلم بطريق التأويلات ، وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان ، في إيراد المتشابه هذه الفوائد الكثيرة . . . (94) .
الخامس: أن المشتبهات ليست في الأمور المطلوبة من المكلف العمل بها ، وإنما هي في بعض الأمور العقدية التي يطالب فيها المكلف بالتفويض والتسليم لله تعالى فيها ، ويقول:
(آمنا به كل من عند ربنا( .
ومما قيل - وهو ضعيف - ما نقله السيوطي - رحمه الله - عن بعضهم قال: ( وإن كان مما لا يمكن علمه ، ففيه فوائد ؛ منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده ، والتوقف فيه ، والتسليم والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ ، وإن لم يجز العمل بما فيه ، وإقامة الحجة عليهم ؛ لأنه منزل بلسانهم ولغتهم ، وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وأفهامهم ، فدل على أنه منزل من عند الله ، وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف) (95) .
وهو ضعيف ؛ لأنه قد تقرر تضعيف القول باشتمال القرآن على ما لا يمكن معرفة معناه ، لكن إذا قيل: إن هذا من حكمة إنزال المتشابه بالنسبة لبعض العباد ، وهو البعض الذي لم يعلم معنى المتشابه ، صح من هذه الجهة .
وأما قوله: (إقامة الحجة عليهم . . . إلى آخر ما ذكر) فبعيد ؛ وذلك لأن ما لا يفهم له معنى ، فاحتجاج المشركين به على الطعن في القرآن ، أقرب من الاحتجاج به عليهم أنه معجز ، ولا يخفى أنهم لو قالوا: لو أنزل هذا القرآن كله بلغتنا ولساننا ، لما عجزنا عن فهم بعضه . ولجاءوا بقوي من الحجة تسوغ لهم الطعن في القرآن ، فكيف يجعل عدم فهمهم لمعناه دليلًا على نزوله بلغتهم ؟!ولكن بلغ من الإعجاز بحيث لا يفهمون معناه ؛ فما أبعد هذا .
ومما قيل في الحكمة وهو باطل قطعًا ، قولان: