فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ونلاحظ في هذا النوع من الآيات أنه يتبدل ويتغير من نبي لآخر ؛ لأن المعجزة لا يكون لها أثرها إلا إذا كان في شيء نبغ فيه القوم ؛ لأن هذا هو مجال الإعجاز ، فلو أتيناهم بمعجزة في مجال لا علم لهم به لقالوا: لو أن لنا علمًا بهذا لأتينا بمثله ؛ لذلك تأتي المعجزة فيما نبغوا فيه ، وعَلموه جيدًا حتى اشتهروا به .
فلما نبغ قوم موسى عليه السلام في السحر كانت معجزته من نوع السحر الذي يتحدى سحرهم ، فلما جاء عيسى ـ عليه السلام ـ ونبغ قومه من الطب والحكمة كانت معجزته من نفس النوع ، فكان ـ عليه السلام ـ يبريء الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله .
فلما بُعِث محمد صلى الله عليه وسلم ونبغ قومه في البلاغة والفصاحة والبيان ، وكانوا يقيمون لها الأسواق ، ويُعلقون قصائدهم على أستار الكعبة اعتزازًا بها ، فكان لا بُدَّ أن يتحداهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وهي القرآن الكريم ، وهكذا تتبدل المعجزات لتناسب كل منها حال القوم ، وتتحدّاهم بما اشتهروا به ، لتكون أدْعى للتصديق واثبت ااحجة .
ــ ومن معاني كلمة آية: آيات القرآن الكريم التي نُسمّها حاملة الأحكام ، فإذا كانت الآية هي الأمر العجيب ، فما وجهة العجب في آيات القرآن ؟
وجه العجب في آيات القرآن أن تجد هذه الآيات في أمة أمية ، وأنزلت على نبي أميٌّ في قوم من البدو الرُّحل الذين لا يجيدون شيئًا غير صناعة القول والكلام الفصيح ، ثم تجد هذه الآيات تحمل من القوانين والأحكام والآداب ما يُرهب أقوى حضارتين معاصرتين ـ هما حضارة فارس في الشرق ، وحضارة الرومان في الغرب ، فنراهم يتطلعون للإسلام ، ويبتغون في أحكامه ما ينقذهم ، أليس هذا عجيبًا ؟
وهذا النوع الأخير من الايات التي هي آيات الكتاب الكريم ، والتي نُسمّيها حاملة الأحكام ، هل تتبدل هي الأخرى كسابقتها ؟
نقول: آيات الكتاب لا تتبدل ؛ لأن أحكام الله المطلوبة مِمَّن عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأحكام المطلوبة مِمَّن تقوم عليه الساعة .
وقد سُبق الإسلام باليهودية والمسيحية ، فعندما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة . اعترض على ذلك اليهود وقالوا: ما بال محمد لا يثبت على حال ، فأمر بالشيء اليوم ، ويأمر بخلافة غدًا ، فإن كان البيت الصحيح هو الكعبة فصلاتكم لبيت المقدس باطلة ، وإن كان بيت المقدس هو الصحيح فصلاتكم للكعبة باطلة .
لذلك قال الحق تبارك وتعالى:
{ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ... 106 النحل }
فالمراد بقول الحق سبحانه: { آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ... 101 النحل }
أي: جئنا بآية تدل على حكم يخالف ما جاء في التوراة ، فقد كان استقبال الكعبة في القرآن بدل استقبال بيت المقدس في التوراة .
وقوله: { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بمَا يُنَزِّلُ ... 101 النحل }
أي: يُنزل كا آية حسب ظروفها: أمة وبيئة ومكانًا وزمانًا .
وقوله: { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ... 106 النحل }
أي: أتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب المتعمد ، وأن هذا التحويل من عنده ، وليس وحيًا من الله تعالى ؛ لأن أحكام الله لا تتناقض .
ونقول: نعم أحكام الله سبحانه وتعالى لا تتناقض في الدين الواحد ، أما إذا أختلفت الأديان فلا مانع من اختلاف الأحكام .
إذن فآيات القرآن الكريم لا تتبدل ، ولكن يحدث فيها نسخ ، كما قال الحق تبارك وتعالى:
البَقَرَة.... آية رقم: 106 { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
وإليك أمثله للنسخ في القرآن:
حينما قال الحق سبحانه
التَّغَابُن.... آية رقم: 16 { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم }
جعل الاستطاعة ميزانًا للعمل ، فالمشرع سبحانه حين يرى أن الاستطاعة لا تكفي يُخفف عنا الحكم ، حتى لا يُكفلنا فوق طاقتنا ، كما في صيالم المريض والمسافر مثلًا ، وقد قال تعالى:
البَقَرَة.... آية رقم: 286 { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }
الطَّلاقُ آية رقم: 7 { لا يِكُلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آَتَاهَا }
فليس لنا بعد ذلك أن نلوي الآيات ونقول: إن الحكم الفلاني لم تعد النفس تُطيقه ولم يعد في وسعنا ، فالحق سبحانه هو الذي يعلم الوسع ويُكلف على قدره ، فإن كان قد كلف فقد علم الوسع ، بدليل أنه سبحانه إذا وجد مشقة خفف عنكم من تلقاء نفسه سبحانه ، كما قال تعالى:
الأنفال ... آية رقم: 66 { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ...}
ففي بداية الإسلام حيث شجاعة المسلمين وقوتهم ، قال تعالى:
الأَنْفَال آية رقم: 65 { إِن يَّكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ }