فهرس الكتاب

الصفحة 1698 من 4557

أي: نسبة واحد إلى عشرة ، فحينما علم الحق سبحانه فيهم ضعفًا ، قال:

{ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبون مائتين } الأنفال 66

أي: نسبة واحد إلى أثنين . فالله تعالى هو الذي يعلم حقيقة وسعنا ، ويكلفنا بما نقدر عليه ، ويُخفف عنا الحاجة إلى التخفيف ، فلا يصح أن نقحم أنفسنا في هذه القضية ، ونقدر نحن الوسع بأهوائنا .

ومن أمثلة النسخ أن العرب كانوا قديمًا لا يعطون الآباء شيئًا من المال على أعتبار أن الواد مُنْتهٍ ذاهب ، ويجعلون الحظ كله للأبناء على أعتبار أنهم المقبلون على الحياة .

وحينما أراد الحق سبحانه أن يجعل نصيبًا للوالدين جعلها وصية فقال:

البَقَرَة... آية رقم: 180 { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَيْنِ }

فلما استقر الإيمان في النفوس جعلها ميراثًا ثابتًا ، وغير الحكم من الوصية إلى خير منها وهو الميراث ، فقال تعالى:النِّسَاء.... آية رقم: 11 { وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ... }

لإذن: الحق تبارك وتعالى حينما يغير آية ينسخها بأفضل منها .

وهذا واضح في تحريم الخمر مثلًا ، حيث نرى هذا التدريج المحكم الذي يراعي طبيعة النفس البشرية ، وأن هذا الأمر من العادات التي تمكنت من النفوس ، ولا بد لها من هذا التدرج ن فهذا ليس أمرًا عقيديًا يحتاج إلى حكم قاطع لا جدال فيه .

فانظر إلى هذا التدريج في تحريم الخمر: قال تعالى:

النَّحْل.... آية رقم: 67 { وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ... }

أهل التزوق والفهم عن الله حينما سمعوا هذه الآية قالوا: لقد بيت الله للخمر أمرًا في هذه الآية ؛ ذلك لأنه وصف الرزق بأنه حسن ، وسكت عن السَّكَر فلم يصفه بالحُسْن ، فدل ذلك على أن الخمر سيأتي فيه كلام فيما بعد .

وحينما سُئل صلى الله عليه وسلم عن الخمر رد القرآن عليهم:

البَقَرَة.... آية رقم: 219 { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ...}

جاء هذا على سبيل النصح والإرشاد ، لا على سبيل الحكم والتشريع ، فعلى كل مؤمن يثق بكلام ربه أن يرى له مخرجًاَ من أسر هذه العادة السيئة .

ثم لُوحظ أن بعض الناس يُصلي وهو مخمور ، حتى قال بعضهم في صلاته: أعبد ما تعبدون .. فجاء الحكم:

النِّسَاء....آية رقم: 43 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... }

ومقتضى هذا الحكم أن يصرفهم عن الخمر معظم الوقت ، فلا تتأتى لهم الصلاة دون سُكر إلا إذا امتنعوا عنها قبل الصلاة بوقت كاف ، وهكذا عودهم على تركها معظم الوقت ، كما يحدث الآن مع الطبيب الذي يعالج مريضه من التدخين مثلًا ، فينصحه بتقليل الكمية تدريجيًا حتى يتمكن من التغلب على هذه العادة .

وبذلك وصل الشارع الحكيم سبحانه بالنفوس إلى مرحلة ألفت فيها ترك الخمر ، وبدأت تنصرف عنها ، وأصبحت النفوس مهيئة لتقبل التحريم المطلق ، فقال تعالى:

المائِدَةآية رقم: 90 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... } إذن: الحق سبحانه وتعالى نسخ آية وحُكمْها بما هو أحسن منه .

والعجيب أن نرى من يرفض قبول النسخ بالقرآن ، كيف والقرآن نفسه يقول:

البَقَرَة.... آية رقم: 106 { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

قالوا: لأن هناك شيئًا يُسمى البداء ... ففي النسخ كأن الله تعالى أعطى حُكمًا ثم تبين له خطؤه ، فعدل عنه 'لى حكم آخر .

ونقول لهؤلاء: لقد جانبكم الصواب في هذا القول ، فمعنى النسخ إعلان انتهاء الحكم السابق بحكم جديد أفضل منه ، وبهذا المعنى يقع النسخ في القرآن .

ومنهم مَن يقف عند قول الحق تبارك وتعالى: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا .. البقرة 106 }

فيقول: { نأت بخير منها } فيها على للتبديل ، وضرورة تقتضي النسخ وهي الخيرية ، فما علة التبديل في قوله { أو مثلها } ؟

أولًا: في قوله تعالى: { نأت بخير منها } قد يقول قائل: ولماذا لم يأتِ بالخيرية من البداية ؟

نقول: لأن الحق سبحانه حينما قال: آلِ عِمْرَان .... آية رقم: 102 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ....}

وهذه منزلة عالية من التقوى ، لا يقوم بها إلا الخواص من عباد الله ، شقت هذه الآية على الصحابة وقالوا: ومن يستطيع ذلك يارسول الله ؟

فنزلت: { فاتقوا الله ما استطعتم ... } التغابن 16

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت