فهرس الكتاب

الصفحة 1748 من 4557

يقول تعالى: { قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ( آل عمران: 84 )

و يقول: { وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } ( الشورى: 15 )

لكن الإيمان بكون هذه الكتب منزلة من عند الله لا يعني إطلاقًا أنها موجودة حتى الآن و أنها نفس الكتب التي بأيدي اليهود و النصارى .. بالضبط كما أن إيماننا بالأنبياء و الرسل عليهم السلام لا يعني أبدًا أنهم موجودون على قيد الحياة حتى الآن .

و قد يسعى أصدقاؤنا النصارى في محاولات يائسة للاستعانة ببعض الآيات القرآنية لبث الوهم بأن كتبهم غير محرفة و أن القرآن ينفي تحريفها كقوله تعالى: { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } ( الكهف: 27 ) و قوله: { وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } ( الأنعام: 34 ) و قوله: { لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } ( يونس: 64 ) و قوله: { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا } ( الفتح: 23 ) .

و للرد على هذا الاستدلال الضعيف نقول:

أولا: أن هذه الآيات ليس فيها إشارة سواء صريحة أو خفية إلى الكتب السابقة ، بل إن قوله في آية الكهف: { مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ } يدلك على أن المراد به هو القرآن لا غيره .

ثانيًا: لا يُفهم من عدم تبديل كلمات الله عدم تبديل الحروف المكتوبة في القراطيس ، بل المقصود هو أنه لا تبديل لأوامر الله و أحكامه المبرمة و المسنونة في خلقه ، كالإقرار بأن الله هو الإله وحده ، لا ابن و لا تثليث و لا شريك له ، و كالوعد و الوعيد ، و العيش الرغيد و العذاب الشديد في الآخرة ، و أمثالها .. و هذه أحكام يُعبر عنها بالكلمات ، لا تتبدل و لا تتحول و لا تتغير .

ثالثًا: نحن معاشر المسلمين لا نستدل بهذه الآيات على حفظ القرآن من التبديل و التغيير ، بل استدلالنا على حفظه من قوله تعالى: { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } ( فصلت: 42 ) و قوله: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( الحجر: 9 ) .

قال قتادة وثابت البناني: (( حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلا أو تنقص منه حقا ؛ فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا ، وقال في غيره: { بما استحفظوا } ( المائدة: 44 ) ، فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا ))تفسير القرطبي ج5 ص369 .

و قال سفيان بن عيينة: (( في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: { بما استحفظوا من كتاب الله } ( المائدة: 44 ) ، فجعل حفظه إليهم فضاع ، وقال عز وجل: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع ))نفس المصدر السابق ج5 ص370 .

و في تفسير الطبري ج14 ص7: (( حدثنا بشر ، قال: حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: إنّا نَحْنُ نَزّلْنا الذّكْرَ وإنّا لَهُ لحَافِظُونَ ، قال في آية أخرى: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ، والباطل: إبليس ، مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، فأنزله الله ثم حفظه ، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلًا ولا ينتقص منه حقّا ، حفظه الله من ذلك .

حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: وإنّا لَهُ لحَافِظُونَ ، قال: حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلًا أو ينقص منه حقّا )) اهـ.

و قد صرحت آيات كثيرة في القرآن الكريم بوقوع التحريف في الكتب الموجودة بحوزة أهل الكتاب من اليهود و النصارى كقوله تعالى: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } ( البقرة: 79 ) و قوله: { يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ( البقرة: 75 ) و قوله: { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } ( النساء: 46 و أيضًا المائدة: 13 ) و قوله: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ } ( المائدة: 15 ) و آيات التحريف كثيرة ، و الذي ذكرناه كاف للاستدلال .

فإن قيل: كيف يُحفظ القرآن دون باقي الكتب و كلها من عند الله ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت