فهرس الكتاب

الصفحة 1749 من 4557

قلنا: إن الكتب و الأنبياء كانت تترادف ، و تصلح ما فسد بينها .. و لكون محمد صلى الله عليه و سلم آخر المرسلين و القرآن الكريم آخر الكتب من رب العالمين ، و لكونهما فصل الخطاب و تقوم الساعة عليهما ، و لا يأتي بعدهما رسول و لا كتاب ليصلح ما فسد من أحكامهما ، لهذا تعهد الله تعالى بحفظ القرآن المنزل على خاتم المرسلين صلى الله عليه و سلم .

و معنى هذا أن دور التوراة و الإنجيل في الهداية انتهى بنزول القرآن لأنه نسخهما ، و الجميع مدعوون للإيمان به .. و حتى الأمور التي لم ينسخها القرآن كالترغيب في الصدق و الأمانة مثلًا إنما المرجع فيها إلى القرآن لا الكتب السابقة ؛ لأن الهداية صارت به لا بهما كما لا يخفى عن المنصف .. و تلك هي سنة الله في إرسال الرسل و هداية الناس .

و ننتقل الآن للآية محور الموضوع و هي قوله تعالى: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } ( المائدة: 48 ) .

و المهيمن هو الحافظ الرقيب الشاهد المؤتمن .. يقول ابن عطية الأندلسي في المحرر الوجيز: (( واختلفت عبارة المفسرين في معنى"مهيمن". فقال ابن عباس: { مهيمنًا } شاهدًا . وقال أيضًا مؤتمنًا . وقال ابن زيد: معناه مصدقًا ، وقال الحسن بن أبي الحسن أمينًا ، وحكى الزجاج رقيبًا ولفظة المهيمن أخص من هذه الألفاظ ، لأن المهيمن على الشيء هو المعنيّ بأمره الشاهد على حقائقه الحافظ لحاصله ولأن يدخل فيه ما ليس منه والله تبارك وتعالى هو المهيمن على مخلوقاته وعباده، والوصي مهيمن على محجوريه وأموالهم، والرئيس مهيمن على رعيته وأحوالهم، والقرآن جعله الله مهيمنًا على الكتب يشهد بما فيها من الحقائق وعلى ما نسبه المحرفون إليها فيصحح الحقائق ويبطل التحريف، وهذا هو شاهد ومصدق ومؤتمن وأمين ) ).

قال ابن جريج: (( القرآن أمين على ما قبله من الكتب ، فما أخبر أهل الكتاب عن كتبهم ، فإن كان في القرآن فصدقوه و إلا فكذبوه ) )تفسير ابن كثير ج3 ص79 ، تفسير البغوي ج2 ص49 .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( و المهيمن: الشاهد المؤتمن الحاكم ، يشهد بما فيها من الحق ، وينفي ما حرف فيها ويحكم بإقرار ما أقره الله من أحكامها ، وينسخ ما نسخه الله منها وهو مؤتمن في ذلك عليها وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص ، وهذا يتضمن أنه كل من كان متمسكا بالتوراة قبل النسخ من غير تبديل شيء من أحكامها فإنه من أهل الإيمان والهدى وكذلك من كان متمسكا بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ ، فهو من أهل الإيمان والهدى . وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل ، فضلا عمن تمسك بشرع منسوخ ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل وما أنزل إليه من الكتب بل قد بين كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول وبترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم في غير موضع ) )الجواب الصحيح ج1 ص262 .

فهذه الآية دليل على وقوع التحريف في الكتب السابقة و أن القرآن الكريم هو الذي يدل على مواضع التحريف فيصححها و يؤيد ما ورد في المواضع التي لم يصبها التحريف ؛ لذا قال العلماء أن في الكتب السابقة حق و باطل ، فما وافق القرآن فيها صدقوه ، و ما خالفه كذبوه ، و ما لم يصدقه أو يخالفه فتوقفوا فيه .

يقول العلامة عبد الرحمن باجه جي زاده عضو مجلس المبعوثان في الدولة العثمانية: (( و معنى قوله: { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } أي رقيبًا و شاهدًا عليه ، و هو كذلك ، فإن القرآن لم يترك حرفًا من خفايا دسائسهم و ملاعيبهم ، في كتبهم ، إلا و شهد عليهم بها ، و أظهرها ، فكان أيّ رقيب على كتبهم ، و أيّ شاهد على فضائحهم ) )رد الرسالة المسماة (أبحاث المجتهدين بين النصارى و المسلمين) في ذيل كتاب (الفارق بين المخلوق و الخالق) ص719 .

و سوف نقوم في هذا البحث بإذن الله تعالى بتتبع مواطن التحريف في هذه الكتب الذي بأيدي أهل الكتاب و التي نبه القرآن المهيمن عليها و صححها .. و نحن لا نعد بحصر هذه المواطن ، بل نتقصى قدر استطاعتنا و ما يكلف الله نفسًا إلا وسعها . ... ... ...

{ مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه } . .

فهو الصوره الأخيره لدين الله ، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن ، والمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس ، ونظام حياتهم ، بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل .

ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه . سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماويه ، أو في الشريعه التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيره . أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم ، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياه كله هو هذا الكتاب ، ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير .

وتترتب على هذه الحقيقه مقتضياتها المباشره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت