فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 4557

إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة، وليست شيئا آخر على الإطلاق وإن خصوهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة (2)

وبعد هذه الدروس التي استخلصها سيد قطب من هذه القصة، أقف عدة وقفات حولها:

1-ثبات الراهب والأعمى، وتخلي الأعمى عن جميع متع الحياة الدنيا في مقابل أن يظفر بعقيدته، إن الراهب قد انتصر في معركة بقائه أو بقاء عقيدته، فاختار أن تبقى العقيدة ولو خسر حياته.

أما الأعمى فقد انتصر مرتين، انتصر عندما تخلى عن مكانته عند الملك مع ما في ذلك من جاه ومكانة، وانتصر عندما تخلى عن حياته في مقابل عقيدته.

إن الراهب والأعمى قد خلدا لنا معاني عظيمة من معاني الانتصار الحقيقي، بعيدا عن التأويل والتبرير الذي يغطي فيه كثير من الناس ضعفهم وخورهم بستار يوهمون فيه الآخرين أنهم إنما فعلوا ذلك من أجل الدين، ولو صدقوا لعلموا أن انتصار الدين بأن يفعلوا ما فعله الراهب والأعمى.

2-عجيب أمر هذا الغلام! لماذا دل الملك على مقتله، ولماذا -مادام أن الله قد منعه من الملك- لم يؤثر البقاء ليبلغ رسالة ربه، ويدل الناس على الدين الحق، ويبقي على حياته سالما.

هذا سؤال قد يتبادر إلى الأذهان:

والمفهوم التي لم تعرف حقيقة الانتصار. إن الغلام قد أدرك -بتوفيق من الله- أن كلمة في لحظة حاسمة صادقة، تفعل ما لا تفعله آلاف الكلمات في عشرات السنين.

إن الحياة مواقف، يتميز فيها الصادق من غيره، وقد سنحت فرصة عظيمة لا يجوز تفويتها، ولا يليق تبرير ضياعها، وكما قيل:"إذا هبت رياحك فاغتنمها"وقد هبت رياح هذا الغلام، وهل رياحه إلا تبليغ رسالة ربه، ولو دفع حياته ثمنا رخيصا في سبيل الله؟

إنه انتصار الفهم، وانتصار الإرادة، وانتصار العقيدة عندما تتحول في صدر صاحبها إلى قوة مؤثرة، وحياة صادقة، وليست على هامش حياته وسلوكه وتفكيره، إن هذا الغلام قد انتصر عدة مرات في معركة واحدة، وموقف واحد:

انتصر بقوة فهمه وإدراكه لأقصر وأسلم الطرق لنصرة دينه وعقيدته، وإخراج أمته ومجتمعه من الظلمات إلى النور.

وانتصر بقدرته على اتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب، متخطيا جميع العقبات، ومستعليا على الشهوات وحظوظ النفس ومتاع الحياة الدنيا.

وانتصر على هذا الملك الغبي، الذي أعمى الله بصيرته، فأخرب ملكه بيده، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

إن الناس قد يتعجبون لأن الغلام قد دل الملك على مقتله، ولكنهم لا يدركون أن الملك قد قتل نفسه بيده لا بيد غيره، فأيهما أولى بالعجب والتعجب؟

إن الغلام أقدم وهو يعي حقيقة ما يفعل: أما الملك فأعمته سكرة الملك وشهوة السلطان عن أن يدرك ما خطط له هذا الغلام، في هذه المعركة الفاصلة التي مات فيها فرد وحيت أمة.

وانتصر الغلام عندما تحقق ما كان يتصوره ويتوقعه وقدم نفسه من أجله، فآمن الناس وقالوا: آمنا بالله رب الغلام.

إن دقة التخطيط وبراعة التنفيذ، وسلامة التقدير، نجاح باهر، وفوز ظاهر.

وانتصر الغلام عندما فاز بالشهادة في سبيل الله، فكل الناس يموتون، ولكن القليل منهم من يستشهدون.

وانتصر أخيرا عندما خلد الله ذكره قدوة لمن بعده، وذكرا حسنا على لسان المؤمنين، حيث جعل الله له لسان صدق في الآخرين.

3-وتتويجا لهذه الانتصارات المتلاحقة:

تأتي نهاية القصة، عندما آمن الناس برب الغلام، آمنوا بالله وحده وكفروا بالطاغوت، وهنا جن جنون الملك، وفقد صوابه، فاستخدم كل ما يملك من وسائل الإرهاب والتخويف، في محاولة يائسة، للإبقاء على هيبته وسلطانه وتعبيد الناس له.

(1) - سورة البروج آية: 8.

(2) - انظر معالم في الطريق فصل: هذا هو الطريق ص 173.

ثم يحفر أخاديده، ويوقد نيرانه، ويأمر زبانيته وجنوده بإلقاء المؤمنين في النار، وتأتي المفاجأة المذهلة، بدل أن يضعف من يضعف، ويهرب من يهرب، لا تسجل الرواية أن أحدا منهم تراجع أو جبن أو هرب، بل نجد الإقدام والشجاعة، وذلك بالتدافع إلى النار، وكأن الغلام قد بث فيهم الشجاعة، والثبات وها هم يجدون في اللحاق به، وكأنهم يتلذذون في تقديم أرواحهم فداء لدينهم، تموت الأجسام وتحيا الأرواح عند خالقها: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (1) [سورة آل عمران، الآية: 169] .

من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد

والحالة الفريدة التي وردت في الرواية، هي تلك المرأة التي خافت على رضيعها، ولكنها نسيت أنها قد أرضعته الإيمان والشجاعة والإقدام مع اللبن الذي كان يشربه، فطلب منها التقدم، فأقدمت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت