فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 4557

أي أمة تلك، وأي قوم أولئك، مع الزمن الطويل الذي عاشوه في الظلام، والسنوات التي استعبدهم فيها هذا الملك، ومع قصر المدة التي عرفوا فيها الإيمان، فقد عرفوا المنهج حق المعرفة، وكأنهم عاشوا فيه كما عاش الراهب طول عمره، أو تربوا عليه كما تربى الغلام في صباه.

إنه الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، ولامس الأرواح يفعل العجب.

لقد رأينا في قصة الراهب والأعمى ثم الغلام انتصارا فرديا.

ولكننا في قصة أولئك المؤمنين نرى انتصارا جماعيا، قل أن يحدث له في التاريخ مثيلا.

إنه صفاء العقيدة، ووضوح المنهج، وسلامة الطريق، وفهم حقيقة الانتصار.

4-وقبل أن نغادر هذه القصة، يرد سؤال في الأذهان:

ماذا حل بهذا الملك وحاشيته وجنده؟

وهل ذهبت دماء هؤلاء المؤمنين وأرواحهم دون انتقام من الله لمن قتلهم؟

إننا لا نجد في القرآن ولا في السنة أي ذكر لهؤلاء الظلمة، وماذا كان مصيرهم في الدنيا، ولله في ذلك حكمة قد تخفى علينا.

نعم وردت آية في آخر قصتهم فيها دعوة لهم وتحذير (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) (2) [سورة البروج الآية: 10] .

قال الحسن البصري:"انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة" (3) .

إن هذه النهاية تحقق معنى من معاني الانتصار، من المنتصر؟ الذي نصر عقيدته ودين ربه، وحرق بضع دقائق، ثم انتقل إلى جنات النعيم، أو ذلك الذي تمتع بأيام في الحياة الدنيا ثم مآله -إن لم يتب- إلى عذاب جهنم وعذاب الحريق؟.

هل هناك مقارنة بين الحريق الأول، والحريق الثاني، حريق الدنيا، وحريق الآخرة؟ إنها نقلة بعيدة، وبون شاسع، أما المؤمنون الذين حرقوا في الدنيا، فـ (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (4) [سورة البروج الآية: 11] وتعلن النتيجة التي لا مراء فيها، ولا جدال:

(ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (5) أليس هذا هو الانتصار؟.

أحاديث في الانتصار

وردت بعض الأحاديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم نجد فيها دلالة لحقيقة الانتصار، وإزالة لما يتوهم من معنى الهزيمة.

وسأذكر أربعة أحاديث، وأقف مع كل حديث مبينا وجه الاستدلال فيه.

1-الحديث الأول

أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم"عرضت علي الأمم فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل: هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب" (6) الحديث.

وفي رواية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خرج علينا النبي، صلى الله عليه وسلم يوما فقال:"عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد..." (7) الحديث.

وفي رواية لمسلم، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم"عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم..." (8) (9) الحديث.

وقد ورد الحديث بروايات أخرى في معنى هذه الروايات.

وتبرز صلة هذا الحديث في موضوعنا من خلال ما يلي:

1-ورد في الحديث، أن الرسول، صلى الله عليه وسلم نظر إلى سواد كثير، وفي رواية: سواد عظيم، ثم رأى سوادا كثيرا -آخر- سد الأفق.

(1) - سورة آل عمران آية: 169.

(2) - سورة البروج آية: 10.

(3) - تفسير ابن كثير4/496.

(4) - سورة البروج آية: 11.

(5) - سورة البروج آية: 11.

(6) - أخرجه البخاري (6541) .

(7) - أخرجه البخاري (5752) .

(8) - الرهيط: قال النووي هم بضم الراء تصغير الرهط. وهي الجماعة دون العشرة. مسلم بشرح النووي 3/53.

(9) - أخرجه مسلم (220) .

والسواد الأول هم ممن آمن بموسى، عليه السلام، والسواد الآخر هم أمة محمد، صلى الله عليه وسلم وهذا يمثل نوعا من أنواع الانتصار الظاهر، حيث انتشر الدين وآمن الناس، حتى بلغوا هذا المبلغ، وهو النوع الأول من أنواع الانتصار التي أشرت إليها سابقا، ومثل ذلك النبي الذين يمر ومعه الأمة.

2-ورد في الحديث، أن النبي يمر معه العشرة، والنبي ومعه الخمسة، والنبي يمر وحده، وفي رواية: فجعل النبي يمر معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد.

ونحن لا نشك في انتصار الأنبياء والرسل كما أخبرنا الله -جل وعلا- بذلك فقال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (1) [سورة غافر، الآية: 51] . وغيرها من الآيات التي سبق ذكرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت