وها نحن نجد النبي يأتي يوم القيامة، ومعه العشرة، والآخر معه الخمسة، وثالث ومعه الرجلان، ورابع ومعه رجل واحد، والخامس وليس معه أحد.
والأمر الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن النبي الذي معه العشرة والخمسة والرهيط قد لا يكونون قد آمنوا به واتبعوه في حياته، بل قد يكون بعضهم بعد وفاته، لأن الذين رآهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم من أمته ليسوا الذين آمنوا به في حياته صلى الله عليه وسلم فقط، بل منهم من آمن به في حياته، ومنهم من آمن به بعد وفاته إلى قيام الساعة، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلف عن غيره من الأنبياء بأنه خاتمهم وآخرهم.
وبهذا نفهم أن الانتصار ليس بكثرة الأتباع فحسب، وقبول الناس واستجابتهم، هذا نوع من أنواع الانتصار كما سبق، وبخاصة إذا كان الأتباع على المنهج الحق، وإلا فلا عبرة بالكثرة والقلة.
والمعادلة التي نخرج منها، والحقيقة التي نظفر بها، أن النبي -كل نبي- لا شك في انتصاره في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وها نحن نجد عددا من الأنبياء ليس معهم إلا أفرادا، بل بعضهم ليس معه أحد.
فالنتيجة أن هناك أنواعًا أخرى من الانتصار، أشمل مما قد يتبادر إلى أذهان كثير من الناس، وبعض الدعاة. إن إدراكنا لهذه الحقيقة وتعاملنا معها هو نوع من الانتصار الذي نبحث عنه بل هو أول الخطوات لتحقيق الانتصار.
2-الحديث الثاني
عن خباب بن الأَرَتْ ( قال:"شكونا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: إلا تستنصر لنا، أو تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يبعده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله -تعالى- هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(2) .
ولنقف هذه الوقفات:
1-خبّاب ( جاء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم يطلب منه الدعاء بالنصر - هكذا أطلق خباب، وهو يريد النصر الظاهر، برفع العذاب والأذى الذي كانت قريش تصبه على رسول الله، صلى الله عليه وسلم وصحابته.
فنقله رسول الله، صلى الله عليه وسلم نقلة أخرى مبينا له معنى آخر من معاني الانتصار، وهو الثبات على دين الله، وتحمل المشاق والعقبات، حتى لو ذهبت روح المسلم فداء لدينه وعقيدته.
2-ثم يذكر له رسول الله، صلى الله عليه وسلم النصر الظاهر وأنه متحقق، ويقسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولكنه لا يتحقق إلا بعد الثبات والصبر.
3-ونجد أن ما ذكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم وأقسم على حصوله وهو إتمام هذا الدين -وهو نوع من الانتصار- قد لا يتحقق في حياة الداعية، فمسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت حدث بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
فعلى الداعية أن يعي هذا الأمر، وأن انتصار الدين لا يتعلق بشخصه.
4-"ولكنكم تستعجلون"صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم إن حرص كثير من الدعاة على انتصار هذا الدين قد يؤدي بهم إلى ارتكاب ما يعوقه، وهو الاستعجال، إنهم يريدون أن يروا النتائج في حياتهم، بل في أول حياتهم -أحيانا- وهذا لم يتحقق لكثير من الأنبياء والرسل.
ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النصر يحتاج إلى الصبر والثبات والتفاؤل مع عدم العجلة.
ويعلمنا أن النصر أشمل مما قد يتبادر إلى أذهاننا.
فليس النصر مقصورا على النصر الظاهر، والنصر الظاهر لا يلزم أن يتحقق في حياة الداعية.
3-الحديث الثالث
عن أبي هريرة ( قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم
أن الله عز وجل قال:"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب" (3) . الحديث.
(1) - سورة غافر آية: 51.
(2) - أخرجه البخاري (3612) .
(3) - أخرجه البخاري (6502) .
والشاهد من هذا الحديث القدسي، أن المؤمن إذا أيقن أن الله معه، ويجب أن يوقن بذلك، ومن كان وليا لله فإن الله معه، وإذا الله كان معه، يعلن الحرب على من آذاه أو عاداه، فيستلزم ذلك أن يؤمن إيمانا لا شك فيه أن الله سينصره، لأن المعركة لم تعد بين الداعية وعدوه، وإنما هي حرب من الله على هذا المعادي، وبدهي أن نعلم من المنتصر ومن الخاسر؟ !!.
ومادام الأمر كذلك، فإن الله -جل وعلا- هو الذي يقدر نوع الانتصار وزمانه ومكانه، ولا يخضع هذا لرؤيتنا القاصرة، أو رغباتنا المحدودة، أو اجتهاداتنا البشرية.
وما علينا إلا أن نعلم يقينًا أن المعركة محسومة من أولها، معروفة نتائجها قبل بدايتها، وأن نتعامل بإيجاب مع هذا اليقين، فلا نستعجل ولا نيأس، ولا نتصرف تصرفا قد يكون سببا لحرماننا من النصر الذي لا شك فيه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (1) [سورة الروم، الآية: 47] .
4-الحديث الرابع
عن عثمان بن عفان ( قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول:"صبرا، آل ياسر فإن موعدكم الجنة"(2) .