فهرس الكتاب

الصفحة 1771 من 4557

والغفلة في حق الأنبياء لا جهل فيها، لأن الجاهل لا يسمى غافلًا حقيقة لقيام الجهل به، فصح أن ضلال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غفلة لا جهل ( [19] ) وقد روى هذا التأويل والوجه بعينه عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين، وجماعة من أهل التأويل ( [2 ] )

وقيل: الضلال في الآيات بمعنى التحير، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه، ويتشرع به؛ حتى هداه الله إلى الإسلام ( [21] ) وهذا التأويل قريب من الوجه السابق

وبقيت وجوه أخرى من التأويل ذكرها أهل العلم ( [22] ) وأقواها ما اكتفيت بذكره

أما ما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم على ما حكاه عنه القرآن الكريم: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب { ( [23] ) وزعمهم بأن نسبة الضلال إلى نفسه صلى الله عليه وسلم يعنى أنه غير معصوم منه حتى بعد النبوة، فلا حجة لهم في التعلق بظاهر هذه النسبة! لأن نسبة الضلال إلى نفسه صلى الله عليه وسلم جاءت منه على جهة الأدب مع ربه عز وجل، وهكذا الأنبياء جميعًا إذا مسهم ضر نسبوه إلى الشيطان على جهة الأدب مع الحق جل جلاله، لئلا ينسبوا له فعلًا يكره، مع علمهم أن كلا من عند الله تعالى، قال الخليل عليه السلام: } وإذا مرضت فهو يشفين { ( [24] ) وقال الخضر عليه السلام: } فأردت أن أعيبها { ( [25] ) أى السفينة، مع أن فعله كان بأمره عز وجل كما قال عز وجل على لسانه: } وما فعلته عن أمرى { ( [26] ) وقال موسى عليه السلام: } هذا من عمل الشيطان { ( [27] ) وقال نبينا صلى الله عليه وسلم:"والخير كله في يديك، والشر ليس إليك" ( [28] ) يعنى: ليس إليك يضاف الشر وصفًا لا فعلًا، وإن كان الفعل كله من عند الله عز وجل كما قال: } وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ( [29] )

أما الشرط في الآية إن ضللت { فلا يقتضى الوقوع ولا الجواز، فالضلال لا يقع منه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يقع منه، لا قبل النبوة ولا بعدها، بمقتضى عصمة الله عز وجل له، ألا ترى كيف قال الله تعالى: } لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ( [3 ] ) والمعنى: لولا ما عصمناه ورحمناه، لأتى ما يذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع

وكذلك قوله تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ { ( [31] ) والمعنى: لولا فضل الله عليك يا رسول الله، بالعصمة ورحمته إياك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، بدليل بقية الآية: } وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ { ( [32] ) وقال تعالى: } وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا فهذه الآية كسابقتها من جملة الآيات المادحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنها من المتشابهات

ومعناها:"لولا وجود تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئًا يسيرًا من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود عصمتنا وتثبيتنا إياك" ( [33] )

فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه، على فرض الإمكان لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء في أثناء عتبه - إن كان ثم عتب - براءته صلى الله عليه وسلم، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته صلوات الله وتسليمه عليه ( [34] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت