وصفوة القول: أن ما استدل به من آيات على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم لا حجة لهم فيها لأن تلك الآيات الكريمات هى في حقيقة الأمر واردة في مقام المنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع تلك المنَّة يستحيل ما استدلوا به على عدم عصمته صلى الله عليه وسلم وتأمل معى آية سبأ: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب { ( [35] ) فهل مع منَّة النبوة، ونزول وحى الله تعالى إليه يكون ضلال؟ هل يعقل هذا؟ وكذلك آية يوسف: } نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين { ( [36] ) فهل مع منة الوحى، ونزول القرآن عليه يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم غفلة جهل، سواء قبل النبوة أو بعدها؟! وكذلك ما استدلوا به من آية الضحى: } ووجدك ضالًا فهدى { تجدها آية كريمة وردت في سورة عظيمة أقسم رب العزة في أولها بالضحى، والليل إذا أقبل بظلامه، على أنه ما ترك نبيه صلى الله عليه وسلم، وما أبغضه، وهذا من كمال عنايته عز وجل في رد ما قال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ رب العزة يعدد في ضمن نفى التوديع والقلى: } ما ودعك ربك وما قلى { ( [37] ) نعمه على حبيبه ومصطفاه في الدنيا والآخرة، وآمرًا له بأن يحدث بها قال تعالى: } وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيمًا فأوى. ووجدك ضالًا فهدى. ووجدك عائلًا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث { ( [38] ) فتأمل كيف وردت آية } ووجدك ضالًا فهدى { في معرض الثناء والمدح، والمنَّة عليه صلى الله عليه وسلم بنعم لا تعد ولا تحصى. فهل يعقل أن يكون مرادًا بالضلال في هذا المقام ضلال الكفر والفساد؟!! كيف وقد عصمه رب العزة من ذلك قبل نبوته، وهو ما تشهد به سيرته العطرة، على ما سبق تفصيله في مبحثى الفصل الأول دلائل عصمته في عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ كما شهد رب العزة بعصمته من الضلال بعد نبوته في قوله تعالى: } ما ضل صاحبكم وما غوى { ( [39] ) مع تأكيد النفى بالقسم بقوله عز وجل: } والنجم إذا هوى ( [4 ] )
وتأمل دلالة كلمة"صاحبكم"فى قوله ما ضل صاحبكم وما غوى { ولم يقل: محمد، أو رسول الله، أو نحو ذلك. تأكيدًا لإقامة الحجة على المشركين بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به، وبحاله، وأقواله، وأعماله، منذ نشأته بينهم بالأمانة، والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غى، ولا ضلال في العقيدة أو الأخلاق، وبالجملة: لا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط، وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله عز وجل: } قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون { ( [41] ) وقال سبحانه: } أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ( [42] )
هذا وفى القسم بالنجم، إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يهتدى به كما يهتدى بالنجم، ومن يهتدى به، وحث رب العزة على الاقتداء به، يستحيل في حقه الضلال
إن الآية الكريمة ما ضل صاحبكم وما غوى مسوقة لتبرئته صلى الله عليه وسلم مما رماه به المشركون قديمًا من الضلال والغى، وهى أيضًا مسوقة لتبرئته صلى الله عليه وسلم مما رماه به أذيالهم حديثًا من تفسير الضلال والغفلة، بالكفر والفساد. فوجب أن يكون النفى عامًا في الضلال والغى قبل النبوة وبعده
وهو ما يدل عليه اللفظ العربى، ويقتضيه سياق الآية، إذ من المعلوم في اللفظ العربى أن الفعل إذا ما وقع في سياق النفى أو الشرط، دل على العموم وضعًا بلا نزاع
زد على هذا أن الأفعال بمنزلة النكرات، والنكرة تعم، فكأنه قال: ما صدر منه صلى الله عليه وسلم ضلال لا في عقيدة ولا في خلق لا قبل النبوة ولا بعدها ( [43] )
والمفسرون حين عمموا الآية في جميع الضلال قبل النبوة وبعدها، قالوا بما يدل عليه اللفظ العربى دلالة وضعية لغوية، وبما يقتضيه سياق الآية، وبما تشهد به سيرته صلى الله عليه وسلم من كمال عقله وخلقه قبل النبوة وبعدها، وعصمته في قلبه وعقيدته من الكفر والشرك، والشك، والضلال، والغفلة، على ما سبق تفصيله ( [44] ) أه
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم
( [1] ) ينظر ص7،11
( [2] ) ص44 - 79، وينظر: خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص178، 179
( [3] ) الآية 62 يس، وينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/57 ، 571
( [4] ) جزء من الآية 282 البقرة
( [5] ) الآية 2 الشعراء، وينظر: الأشباه والنظائر في القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان ص297 - 299
( [6] ) الآية 8 يوسف
( [7] ) الآية 95 يوسف
( [8] ) الآية 3 يوسف
( [9] ) ينظر: معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص333، 334، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص457
( [1 ] ) ينظر: حديث تحنثه في غار حراء في صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحى 1/3 رقم 3
( [11] ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 2 / 97