فهرس الكتاب

الصفحة 1792 من 4557

أما المحطة الثانية التى نحب أن نقف عندها فهى ذهاب رسول الله إلى الطائف حين شعر أن مكة تستعصى على دعوته بغباء غريب ما عدا القليلين الذين دخلوا في دعوته رغم التضييق والعنت الشديد والأذى المتواصل، فحَسِبَ أن الطائف قد تكون أحسن استقبالا للدين الجديد، لكن أهلها للأسف لم يكونوا أفضل حالا من قومه في مكة. ترى لو كان أمية قد سبق القرآن إلى تناول الموضوعات التى نقرؤها في ذلك الكتاب بنفس الألفاظ والعبارات في كثير من الأحيان، ومن ثم أخذ محمد بعض قرآنه من شعره، أكان يفكر مجرد تفكير في السفر إلى بلد ذلك الشاعر معرضا نفسه للسخرية والاتهام من جانب أهلها بدلا من إقبالهم عليه ودخولهم في دينه؟ إنه إذن لـ"كالمستجير من الرمضاء بالنار"كما جاء في أمثال العرب، أو كمن"جاء يُكَحِّلها فأعماها"كما يقول المثل الشعبى! ولم يكن الرسول يوما بالشخص الذى يمكن أن يقع في مثل هذا التصرف الأخرق العجيب، بل لم يتهمه أحد من أَعْدَى أعدائه بشىء من ذلك قط! ثم فلنفترض بعد هذا أنه قد ارتكب هذا التصرف الأحمق (وأستغفر الله العظيم على هذا التعبير الذى اقترفتُه لأكون في غاية السماحة مع"الأنعام"الذين لهم قلوب لكن لا يعقلون بها، ولهم أعين لكن لا يبصرون بها، ولهم آذان لكن لا يسمعون بها!) ، فكيف فات الطائفيين الأمرُ فلم يجابهوه ويجبهوه بهذه السرقة التى كانت كفيلة بقصم ظهر الدعوة التى أتى بها بدلا من إغرائهم صبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم بمطاردته بالحجارة في شوارع المدينة حتى أخرجوه منها منتهكين بتصرفهم الوحشىّ هذا ما توجبه التقاليد العربية الراسخة القاضية بإكرام الضيف الوافد، واضطروه إلى اللجوء إلى بستانٍ لعُتْبة وشَيْبة ابنى ربيعة حيث قابل هناك خادمهما عداس، الذى قدّم له قِطْفا من العنب يتقوّت به ويزيل عن نفسه التعب، ثم أقبل عليه في حب وإجلال حين رآه يسمّى الله قبل الطعام وعرف شيئا من دينه على ما هو معروف لقارئى السيرة النبوية؟

ثم هناك قدوم أمية على النبى ومدحه إياه بقصيدة يقرّه فيها على دعوته ويثنى عليه ويصدّق به. ويبدو أن ذلك كان بتأثير الأسئلة التى من المؤكد أنها كانت توجَّه له ممن حوله، إذ لا بد أن يثور في أذهانهم التساؤل عن السبب، يا ترى، الذى يمنعه من الإيمان بمحمد ما دام يردد ما يقوله تقريبا ويضمّن شعره بعض ما جاء في قرآنه! أقول هذا رغم أن في نفسى من صحة هذه القصيدة شيئا للأسباب التى سأذكرها من فورى، لكننى قلتُه على الشرط الذى وضعتُه حين بينتُ أنه لكى نقبل أشعار أمية التى تشابه القرآن الكريم لا بد أن نقبل معها الأحداث التى صاحبتها حسبما أوردتها الروايات. على أية حال هأنذا أورد جُلّ أبيات القصيدة أولا، ثم ننظر فيها بعد ذلك:

لك الحمد والمنّ رب العبا * د. أنت المليك وأنت الحَكَمْ

ودِنْ دين ربك حتى التُّقَى * واجتنبنّ الهوى والضَّجَمْ

محمدًا ارْسَلَه بالهدى * فعاش غنيا ولم يُهْتَضَمْ

عطاءً من الله أُعْطِيتَه * وخصَّ به الله أهل الحرمْ

وقد علموا أنه خيرهم * وفى بيتهم ذى الندى والكرمْ

نبىُّ هدًى صادقٌ طيبٌ * رحيمٌ رءوف بوصل الرَّحِمْ

به ختم الله من قبله * ومن بعده من نبىٍّ ختمْ

يموت كما مات من قد مضى* يُرَدّ إلى الله بارى النَّسَمْ

مع الأنبيا في جِنَان الخلو * دِ، هُمُو أهلها غير حلّ القَسَمْ

وقدّس فينا بحب الصلاة * جميعا، وعلّم خطّ القلمْ

كتابًا من الله نقرا به * فمن يعتريه فقدْمًا أَثِمْ (أمية بن أبى الصلت- حياته وشعره"لبهجة عبد الغفور الحديثى/ 260- 264) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت