فهرس الكتاب

الصفحة 1793 من 4557

وقد رفض د. جواد على هذه القصيدة على أساس أن ما فيها من إيمان قوى بالنبى ودينه يتناقض مع ما نعرفه من تردد أمية بالنسبة للإسلام وافتقار قلبه إلى الإيمان العميق، وأنه يشير فيها إلى وفاة الرسول التى لم تقع إلا بعد موت أمية أوّلا (المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام/ 6/ 497- 498) . لكن بهجة الحديثى لا يشك في القصيدة، بل يرى أنها تمثل خطرة من الخطرات التى كانت تنتاب أمية، فالمعروف أنه لم يكفر بالرسول تكذيبا بل حسدا، إذ كان في دخيلة نفسه مصدِّقا بما جاء به، بل همّ أن يعلن إسلامه فعلا. كما أن الأنطاكى، الذى كان يعيش في القرن الثالث الهجرى، قد أكد أنها موجودة في شعره ومفهومة عند أهل الخبرة به (أمية بن أبى الصلت/ 78- 79) . والحق أن الحجة الأخيرة تكاد تكون العقبة الوحيدة التى تمنعنى من القطع بزيف هذه القصيدة رغم ما فيها مما يدابر المنطق: فهى تتحدث عن اختتام النبوة بمحمد عليه السلام، وهى قضية لم تكن قد طُرِحَت بعد، لأن القصيدة لا بد أن تكون قد سبقت غزوة بدر على آخر تقدير حيث حسم أمية أمره بعد تلك الغزوة وشقَّ جيوبه وعقر ناقته وتراجع نهائيا عن الدخول في الإسلام، على حين أن الإشارة إلى أن نبوة محمد هى خاتمة النبوات قد وردت في سورة"الأحزاب"، التى نزلت بعد ذلك بزمن طويل على ما هو معروف. أما ما جاء في القصيدة من ذكر موت النبى فلا يعنى بالضرورة أنه قد مات فعلا، إذ الكلام يحتمل هذا، كما يحتمل أنه سيموت كسائر البشر حسبما جاء في قوله تعالى:"إنك ميتٌ، وإنهم ميتون" (الزُّمَر/ 30) ، إذ أتى الفعلُ الدالّ على الموت في القصيدة في صيغة المضارع لا الماضى كما لا بد أن يكون القارئ قد لاحظ، رغم أن في ذكر الموت في حد ذاته في هذا السياق كثيرا من الغرابة والخروج على مقتضيات المديح. كذلك فوصف الرسول بأنه"رحيم رءوف"هو صَدًى لوصفه في القرآن في الآية قبل الأخيرة من سورة"التوبة"بهاتين الصفتين، وإن جاءتا في القصيدتين بعكس ترتيبهما في السورة، والآية المذكورة تنتمى لمرحلة زمنية متأخرة عن تاريخ نظم القصيدة. كذلك ففى القصيدة صَدًى لقول رسول الله في حديث أبى هريرة:"لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيَلِج النار إلا تحلَّة القسم"، والمقصود الإشارة إلى قوله تعالى في الآية 71 من سورة"مريم":"وإنْ منكم إلا وارِدُها.كان على ربك حتما مقضيًّا"، ومعروف أن أبا هريرة إنما أسلم في المدينة في السنة السابعة للهجرة، أى بعد نظم أمية قصيدته بأعوام، فكيف يمكن أن يتأثر أمية بحديث كهذا لم يكن قد قيل إلا بعد ذلك ببضع سنوات؟ وأنا هنا، كما يلاحظ القارئ، أنطلق من أن القصيدة هى التى تأثرت بالقرآن لا العكس ما دام أمية قالها في مدح النبى والتصديق بدعوته، إذ معنى هذا أنه لم يكن يرى في القرآن أى أثر لشعره، وإلا ما فكر في مدحه عليه السلام بتاتًا، بل في هجائه وفَضْحه. ثم إن في النظم هَنَاتٍ لا يقع فيها جاهلىٌّ عادة: فقد جاءت كل من كلمتى"أرسله"و"الأنبياء"فى القصيدة بهمزة، وهو ما يحدث اضطرابا في موسيقى البيتين اللذين وردت الكلمتان فيهما، إلا إذا حذفنا الهمزتين كما فعلت أنا هنا، فعندئذ نشعر على الفور أننا بإزاء شعر إسلامى صوفى مما يصعب انتماؤه للعصر الأموى أو حتى بدايات العباسى. لكن هل يمكن أن يكون هذا قد فات ابن داود الأنطاكى؟ تلك هى المعضلة. إلا أننا لو استحضرنا في المقابل أن كبار مؤرخى الأدب ونقاده في تلك الفترة، وهم العلماء الذين شغلتهم قضية الانتحال في الشعر الجاهلى والمخضرم كابن سلام وابن قتيبة والجاحظ وأبى الفرج وابن هشام، لم يَرْوُوا شيئا من هذا الشعر لأمية، لوجدنا أنها ليست بالمعضلة التى تستعصى على الحل. وأيا ما يكن الأمر فكما قلت: إن من يريد منا أن نقبل نسبة الأشعار محل الدراسة لأمية فلا بد أن يقبل معها الأحداث المصاحبة لها في الروايات التى أوردتْها لنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت