فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 4557

من المقرر أن التردد قد يقع نتيجة خوف من مجهول أو رقة في العقيدة … فيكون مذمومًا قطعًا إن قام بهذه المناسبة كما قال تعالى في حق المنافقين

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ }

و قال عز و جل {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا }

و ذلك المعنى للتردد محال في حق الله تعالى و هو الحق المؤمن الخبير ، و لا ينسجم سياق الحديث ههنا مع هذا المحمل الذى يلمز به المبطلون… فغاية الخبر إظهار فضل الأولياء و رحمة الرب الرؤوف بهم حتى أنه سبحانه أراد لو لم يذيقهم بلاءً كرهوه ، و في ذات الوقت قدر سبحانه بإرادته الكونية و حكمته العلوية الفناء على كل مخلوق إلا وجهه الكريم …و الإنتقال من دار الإختبار إلى دار القرار و من دار العمل إلى دار الحساب،

فعُبر عن تعارض الإرادتين الكاملتين بالتردد و لم يقصد أن الله (تعالى عما يصفون) يخشى الإقدام على فعل خشية عاقبته أو أنه سبحانه لا يوقن ما يفعل!

قال الإمام ابن حجر: [هَذَا خِطَابًا لَنَا بِمَا نَعْقِلُ وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ , بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ"وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً"فَكَمَا أَنَّ أَحَدَنَا يُرِيدُ أَنْ يَضْرِب وَلَده تَأْدِيبًا فَتَمْنَعُهُ الْمَحَبَّةُ وَتَبْعَثُهُ الشَّفَقَةُ فَيَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْوَالِدِ كَالْمُعَلَّمِ لَمْ يَتَرَدَّدْ بَلْ كَانَ يُبَادِرُ إِلَى ضَرْبِهِ لِتَأْدِيبِهِ فَأُرِيدَ تَفْهِيمُنَا تَحْقِيق الْمَحَبَّة لِلْوَلِيِّ بِذِكْرِ التَّرَدُّد .]

قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَضْل بْن عَطَاء: [فِي هَذَا الْحَدِيث عِظَم قَدْر الْوَلِيِّ , لِكَوْنِهِ خَرَجَ عَنْ تَدْبِيره إِلَى تَدْبِير رَبّه , وَعَنْ اِنْتِصَاره لِنَفْسِهِ إِلَى اِنْتِصَارِ اللَّهِ لَهُ , وَعَنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ بِصِدْقِ تَوَكُّلِهِ ]

و سئل شيخ الإسلام رحمه الله في (( الفتاوى ) ) (18/129) عن معنى تردد الله في هذا الحديث؟ فأجاب:

[هذا حديث شريف ، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة ، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء ، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة ، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد ، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور ، والله أعلم بالعواقب ، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد.

والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حق ، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ، ولا أنصح للأمة منه ، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه ، فإذا كان كذلك ؛ كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبًا ، بل يجب تأديبه وتعزيره ، ويجب أن يصان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة ، ولكن المتردد منا ، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور ؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا ؛ فإن الله ليس كمثله شيء ؛ لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، ثم هذا باطل ؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب ، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد ، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ، ويكرهه لما فيه من المفسدة ، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه ؛ كما قيل:

فأعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُُِ الشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ

وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه ، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب ، وفي الصحيح {حفت النار بالشهوات ، وحفت الجنة بالمكاره} ، وقال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت