فهرس الكتاب

الصفحة 1969 من 4557

المسألة الأولى: ذكروا أنه تعالى لما أهلك عادًا قام ثمود مقامهم، وطال عمرهم وكثر تنعمهم، ثم عصوا الله، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا وكان منهم، فطالبوه بالمعجزة. فقال: ما تريدون. فقالوا: تخرج معنا في عيدنا، ونخرج أصنامنا وتسأل إلهك ونسأل أصنامنا، فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا، فخرج معهم فسألوه أن يخرج لهم ناقة كبيرة من صخرة معينة، فأخذ مواثيقهم أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل، ثم انفرجت وخرجت الناقة من وسطها، وكانت في غاية الكبر وكان الماء عندهم قليلًا فجعلوا ذلك الماء بالكلية شربًا لها في يوم، وفي اليوم الثاني شربًا لكل القوم قال السدي: وكانت الناقة في اليوم التي تشرب فيه الماء تمر بين الجبلين فتعلوهما ثم تأتي فتشرب فتحلب ما يكفي الكل، وكأنها كانت تصب اللبن صبًا، وفي اليوم الذي يشربون الماء فيه لا تأتيهم وكان معها فصيل لها. فقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فذبح تسعة نفر منهم أبناءهم، ثم ولد العاشر فأبى أن يذبحه أبوه، فنبت نباتًا سريعًا، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجونه به، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء، واشتد ذلك عليهم، فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة؟ فشد عليها، فلما بصرت به شدت عليه، فهرب منها إلى خلف صخرة فأحاشوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت.

فذلك قوله: { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } وأظهروا حينئذ كفرهم وعتوا من أمر ربهم، فقال لهم صالح: إن آية العذاب أن تصبحوا غدًا حمرًا، واليوم الثاني صفرًا، واليوم الثالث سودًا، فلما صبحهم العذاب تحنطوا واستعدوا.

إذا عرفت هذا فنقول: تعدد اقوال العلماء في وجه كون الناقة آية فقال بعضهم: إنها كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة. قال القاضي: هذا إن صح فهو معجز من جهات:

أحدها: خروجها من الجبل

والثانية: كونها لا من ذكر وأنثى

والثالثة: كمال خلقها من غير تدريج.

والقول الثاني: أنها إنما كانت آية لأجل أن لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم، واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب، وكانت مع ذلك تأتي بما يليق بذلك الماء من الكلأ والحشيش.

والقول الثالث: أن وجه الإعجاز فيها أنهم كانوا في يوم شربها يحلبون منها القدر الذي يقوم لهم مقام الماء في يوم شربهم. وقال الحسن: بالعكس من ذلك، فقال إنها لم تحلب قطرة لبن قط، وهذا الكلام مناف لما تقدم.

والقول الرابع: أن وجه الإعجاز فيها أن يوم مجيئها إلى الماء كان جميع الحيوانات تمتنع من الورود على الماء، وفي يوم امتناعها كانت الحيوانات تأتي.

واعلم أن القرآن قد دل على أن فيها آية، فأما ذكر أنها كانت آية من أي الوجوه فهو غير مذكور والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: { هذه ناقة الله لكم آية } فقوله: { آية } نصب على الحال أي أشير إليها في حال كونها آية، ولفظة (هذه) تتضمن معنى الإشارة، و { آية } في معنى دالة. فلهذا جاز أن تكون حالًا.

فإن قيل: تلك الناقة كانت آية لكل أحد، فلماذا خص أولئك الأقواك بها؟ فقال: { هذه ناقة الله لكم آية } .

قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا عنها، وليس الخبر كالمعاينة. وثانيها: لعله يثبت سائر المعجزات، إلا أن القوم التمسوا منه هذه المعجزة نفسها على سبيل الاقتراح، فأظهرها الله تعالى لهم، فلهذا المعنى حسن هذا التخصيص.

فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص تلك الناقة بأنها ناقة الله؟

قلنا: فيه وجوه: قيل أضافها إلى الله تشريفًا وتخصيصًا كقوله: بيت الله، وقيل: لأنه خلقها بلا واسطة، وقيل: لأنها لا مالك لها غير الله. وقيل: لأنها حجة الله على القوم.

ثم قال: { فذروها تأكل في أرض الله } أي الأرض أرض الله، والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم، ولا تمسوها بسوء ولا تضربوها ولا تطردوها ولا تقربوا منها شيئًا من أنواع الأذى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك"

ثم قال تعالى: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } قيل إنه تعالى لما أهلك عادًا عمر ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارًا طوالًا.

ثم قال: { وبوأكم في الأرض } أنزلكم، والمبوأ: المنزل من الأرض، أي في أرض الحجر بين الحجاز والشام.

ثم قال: { تتخذون من سهولها قصورًا } أي تبوؤن القصور من سهولة الأرض، فإن القصور إنما تبنى من الطين واللبن والآجر، وهذه الأشياء إنما تتخذ من سهولة الأرض { وتنحِتون من الجبال بيوتًا } يريد تنحِتون بيوتًا من الجبال تسقفونها.

فإن قالوا: علام انتصب بيوتًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت