فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
استشكل أحد الإخوة مسألةً في جمع القرآن , فكتبت خلاصة عاجلة تزيل الإشكال على طريقة: التأصيل ثم التفصيل , ثم أورد إشكالًا آخر , فأجبته , ثم انقلب الإشكال الثاني وأصبح إشكالًا ثالثًا , وهنا توقفت عن المتابعة ؛ لأضع هذه المشاركة , التي أرجوا أن تفيد في جانب:
(( جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما , والفرق بينهما ) )
وسنرى أن تصور هذه المقدمة يعين كثيرًا على فهم مسائل كثيرة من أبواب علوم القرآن لاتصاله الظاهر بها , وبالأخص"الأحرف السبعة".
وسأبدأ بذكر خلاصة الباب في نظري , ثم أتبعها بالتفصيل , جاعلًا حاشية كل موضع بعده مباشرةً بين هلالين:
تأصيلٌ ثم تفصيل
سيُحَل هذا الإشكال وجميع الإشكالات في موضوع الجمع - إن شاء الله تعالى - من خلال تصور ما يلي:
1 -أن أبا بكر رضي الله عنه جمع القرآن , وعثمان رضي الله عنه جمع الناس عليه .
2 -فعليه: جمع عثمان هو جمع أبي بكر رضي الله عنهم , ولم يغير فيه شيئًا .
3 -الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه هو ما عرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام في العرضة الأخيرة .
4 -العرضة الأخيرة اشتملت على ما لم يُنسَخ من الأحرف السبعة ؛ بدليل وجود عدد من الصحابة تختلف قرائتهم عمَّا في المصحف الإمام .
هذا القدر من البيان تجتمع به الأدلة , وعليه قامت , وبه نطقت , وهو حلٌّ لكثير من المشكل في هذا الباب , وأكتفي بهذا القدر , لهذا الإشكال , ولعلنا نزيد الموضوع إيضاحًا , بإيرادات أخرى في هذا الباب . والله أعلم .
( جمع القرآن )
الحمد لله , و صلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا, أما بعد:
فإن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه , وهيأ الأسباب الكونية والقدرية لذلك , فقال تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) .
وهذه مقدمة مهمة لفهم مسالة جمع القرآن على مراحلها الثلاثة كما سنذكر - إن شاء الله تعالى - .
* الجمع الأول: في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:-
يطلق جمع القرآن ويراد به أحد معنيين:
الأول: حفظه في الصدور . والثاني: كتابته في السطور.
( في تسمية القرآن بـ: القرآن والكتاب , إشارة لطيفة إلى هذين النوعين, فالقرآن بمعنى الجمع والحفظ , والكتاب بمعنى المكتوب , ولا يكفي أحدهما عن الآخر , فلا يكفي حفظ حافظ حتى يوافق رسم المصحف , ولا تكفي كتابة كاتب حتى توافق ما نقل بالتواتر . انظر: النبأ العظيم , لمحمد عبد الله دراز, صـ 5 - 7 , ونقلها عنه غالب من كتب في علوم القرآن بعده ) وكلاهما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
فأما النوع الأول: فإن الأمة الأمية التي بعث فيها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت من أسرع الناس حفظًا , وهكذا الصحابة رضي الله عنهم عُنُوا بسماع القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وحفظه ومدارسته , فلم يكونوا يتجاوزوا عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل , وأقاموا به ليلهم تهجدًا وتلاوةً , حتى كان يسمع لبيوتهم دويٌّ كدويّ النحل من التلاوة , فلا عجب أن يكثر حفاظ القرآن من الصحابة , حتى عُرف طائفة منهم بالقراء , وقد كانوا عددًا كبيرًا , ففي البخاري (4090) عن أنس رضي الله عنه في قصة بئر معونة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سبعين رجلًا يقال لهم القراء .. الحديث .
وذكر السيوطي في الإتقان (3 - 1 / 72 , نقلًا عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه( القراءات ) وفي مقدمة ( طبقات القراء ) للذهبي أن هذا العدد هم الذين عرضوا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم واتصلت بنا أسانيدهم , وأما من جمعه من الصحابة ولم يتصل بنا سندهم فكثير) عددًا كثيرًا ممن حفظ القرآن كله من المهاجرين والأنصار , ومثّل أنس بن مالك رضي الله عنه لبعض من جمع القرآن كاملًا عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعًا منه وعرضًا عليه بقوله عندما سأله قتادة: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد (4 - 6 / 102-103 , وأبو زيد هو قيس بن السكن أحد عمومة أنس رضي الله عنهم . الفتح 6 / 102-103 ) .