فهرس الكتاب

الصفحة 2054 من 4557

في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 52)

(زين للناس) . وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل ; فهو محبب ومزين . . وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه . ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه"الشهوات", وهو جزء من تكوينه الأصيل , لا حاجة إلى إنكاره , ولا إلى استنكاره في ذاته . فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد - كما أسلفنا - ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل , ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده ; وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها . هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي , والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه"الشهوات". الحد الباني للنفس وللحياة ; مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذيتهتف إليه النفحة العلوية , وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله . . هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول , وينقيه من الشوائب , ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة , على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة . . والاتجاه إلى الله , وتقواه , هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة .

(زين للناس حب الشهوات) . . فهي شهوات مستحبة مستلذة ; وليست مستقذرة ولا كريهة . والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها ; إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها , ووضعها في مكانها لا تتعداه , ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى . والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك"الشهوات"في غير استغراق ولا إغراق !

وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها , ومحاولة تهذيبها ورفعها , لا كبتها وقمعها . . والذين يتحدثون في هذه الأيام عن"الكبت"واضراره , وعن"العقد النفسية"التي ينشئها الكبت والقمع , يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو"الكبت"وليس هو"الضبط". . وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس , مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين:ضغط من شعوره - الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف - بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلا , فهي خطيئة ودافع شيطاني ! وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة , ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية , لا تتم إلا بها , ولم يخلقها الله في الفطرة عبثا . . وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون"العقد النفسية". . فحتى إذا سلمنا جدلا بصحة هذه النظريات النفسية , فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية . بين نوازع الشهوة واللذة , وأشواق الارتفاع والتسامي . . وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال .

(زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث . . .) . .

والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية . . وقد قرن اليهما (القناطير المقنطرة من الذهب والفضة) . . ونهم المال هو الذي ترسمه (القناطير المقنطرة) ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال:والأموال . أو والذهب والفضة . ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلا خاصا هو المقصود . ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة . ذلك أن التكديس ذاته شهوة . بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى !

ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة . . الخيل المسومة . والخيل كانت - وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم - زينة محببة مشتهاة . ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة . وفيها ذكاء وألفة ومودة . وحتى الذين لا يركبونها فروسية , يعجبهم مشهدها , ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية !

وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث . وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع . . الأنعام والحقول المخصبة . . والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء . وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفتإليه شهوة الملك , كان الحرث والأنعام شهوة .

وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس , يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ; ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان . والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية , لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه , ولا تطغى على ما سواه:

(ذلك متاع الحياة الدنيا) . .

ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة - وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات - متاع الحياة الدنيا . لا الحياة الرفيعة , ولا الآفاق البعيدة . . متاع هذه الأرض القريب . . فأما من أراد الذي هو خير . . خير من ذلك كله . خير لأنه أرفع في ذاته . وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات , والإنكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء . . من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير . وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت