من خلال هذا النص يظهر السبب الرئيسي الذي حمل الصحابة على جمع القرآن في زمن أبي بكر، ألا وهو اشتداد القتل في قراء القرآن حيث قتل منهم في حرب مسيلمة وحده سبعين قارئًا، فخشي عمر أن يضيع القرآن باستشهاد حملته من القراء الذين كانوا يتسابقون إلى ساحات الجهاد في سبيل الله تعالى.
كما أن الأسباب التي حالت دون جمع القرآن في ومن النبي ? لم يعد لها وجود، وبالتالي كان لا بد من جمع كتاب الله في مصحف صيانة له من الضياع.
آلية جمع القرآن في عهد أبي بكر ?:
-الاقتصار على ما كتب بين يدي النبي ? وأُخِذ منه مباشرة: أخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قدم عمر فقال من كان تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان ( ) .
وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي لمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظ فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط. قال ابن حجر وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب ( )
وقال السخاوي في جمال القراء المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن ( ) .
قال أبو شامة وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي لا من مجرد الحفظ قال ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.
قلت أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي عام وفاته ( ) .
يقول الليث بن سعد قال أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل وأن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت فقال: اكتبوها فإن رسول الله جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب وإن عمر أتي بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده ( )
مزايا جمع أبي بكر للقرآن
1-جمعت القرآن على أدق وجوه البحث والتحري.
2-اقتصرت على ما لم تنسخ تلاوته.
ظفرت بإجماع الأمة عليها وتواتر ما فيها
وينبغي أن نلاحظ هنا أن جمع المصحف بأمر أبي بكر لا ينافي أن الصحابة كان لهم صحف أو مصاحف كتبوا فيها القرآن كله أو بعضه، لكنها لم تظفر بما ظفرت به الصحف التي أمر بجمعها أبو بكر ? من العناية والتحري، ولا يطعن في ذلك ما روي من أن عليًا ? جمع القرآن قبل أن يبايع أبا بكر، بل إن عليًا نفسه يقول: (أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله) .6- نسخ القرآن في عهد عثمان
أسبابه ( ) :
اتسعت الفتوحات في زمن عثمان واستبحر العمران وتفرق المسلمون في الأمصار والأقطار ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف بل كان هذا الشقاق أشد لبعد عهد هؤلاء بالنبوة وعدم وجود الرسول بينهم يطمئنون إلى حكمه ويصدرون جميعا عن رأيه واستفحل الداء حتى كفر بعضهم بعضا وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير ولم يقف هذا الطغيان عند حد بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز والمدينة وأصاب الصغار والكبار على سواء.
أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قلابة أنه قال لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل والمعلم يعلم قراءة الرجل فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضا فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا. وصدق عثمان فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافا ونزاعا من المدينة والحجاز وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع أو التقوا على جهاد أعدائهم يعجبون من ذلك وكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن وتأدى بهم التعجب إلى الشك والمداجاة ثم إلى التأثيم والملاحاة.