فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة، صارت سببًا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم. الثالث: أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السموات والكرسي والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى، يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين.
واعلم أن قوله: { لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَتِنَا } كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به وعائدة إليه على سبيل التعيين.
والجواب عن الشبهة الثالثة: أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام.
والجواب عن الشبهة الرابعة: لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والله أعلم.
أما العروج إلى السموات وإلى ما فوق العرش:
قال تعالى في سورة (مريم) :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا
وللهبوط:
قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا ... البقرة 38
سفر تكوين
5: 24 و سار اخنوخ مع الله و لم يوجد لان الله اخذه
لوقا
24: 51 و فيما هو يباركهم انفرد عنهم و اصعد الى السماء
رد آخر
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"1")
لو تأملنا خواتيم سورة النحل لوجدناها مقدمة طبيعية لأحداث سورة الإسراء، ولوجدنا توافقًا وتناسبًا في ترتيب هاتين السورتين، فقد ختمت النحل ببيان حكم رد العقوبة بمثلها، ثم أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر وبينت جزاء الصابرين، ونهت رسول الله عن الضيق من مكر الكفار.
نستشف من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيستقبل أحداثًا تحتاج إلى صبر وشدائد، تحتاج إلى سعة صدر، وكأن هذه التوجيهات جاءت بمثابة مناعات إيمانية، تحصن رسول الله وتعده لما هو مقبل عليه من أحداث في سورة الإسراء، وكأنها إشارات لما سيحدث من شدائد حتى لا يفاجأ رسول الله بها، ولا تأتيه على غرة.
هذه المناعات التي جاءت في نهاية سورة النحل أشبه بما نلجأ إليه في حفظ سلامة البنية وسلامة القالب، حينما نخاف من الأمراض، إنه ما نسميه بالتطعيم ضد المرض، فيأخذ الجسم من هذا الطعم حصانة تحميه إذا هاجمه المرض. كذلك الحق سبحانه وتعالى يعطي رسوله هذه التحصينات، حتى يواجه الأحداث والشدائد القادمة بصبر وجلد، ويعلم أن الله تعالى لن يخذله، ولن يتخلى عنه، فما أرسل الله رسولًا وخذله أبدًا، فإن خذله الناس، وضاقت عليه الدنيا بما رحبت وجد الملجأ في معيته سبحانه وتعالى.
وفعلًا نزلت الشدائد برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قمة هذه الأحداث عند فقد عمه أبي طالب، وزوجه خديجة في عام واحد، ولقسوة هذا عليه سماه"عام الحزن".
ففقد صلى الله عليه وسلم بموت عمه الحماية الخارجية التي كانت تدفع عنه أذى المشركين، وتصد عنه صناديد قريش، وفقد بموت زوجته الحماية الداخلية والملجأ الذين كان يأوي إليه، حيث كانت تواسيه وتهدئ من روعه في أول نزول الوحي عليه. وتبين له بفقه أن ما يجده في الغار من علامات النبوة، وأن الله لن يتخلى عنه وتقول له:"والله إنك لتصل الرحم، وتغيث الملهوف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر".
نعم لقد كان عام حزن فعلًا، فقد فيه السكن الخارجي والداخلي معًا، فأين يذهب صلى الله عليه وسلم. فما عاد يشعر بأمن في مكة، ففكر في أهل الطائف، عساه يجد الأمن والأمان بينهم، ولكنه كان كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد آذوه أشد الإيذاء، وقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدمه الشريفة وأغروا به صبيانهم وسفهاءهم، وعاد منها حزينًا منكسرًا إلى مكة مرة أخرى، فلم يجد من يجيره إلا مطعم بن عدي.
ومن هنا نعلم أن نهايات سورة النحل جاءت في موقعها المناسب، وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لقد ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وضاقت عليك نفسك، ولكن ملجأك إلى الله سيريك أن قسوة الأرض وتجهم الحياة لك سأبدلك به تحية مباركة، في أن أريك حفاوة السماء بك، فبعد ما حدث لك في مكة والطائف:
{ولا تك في ضيق مما يمكرون"127"إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.."128"} (سورة النحل)
وجاء حادث الإسراء والمعراج ليرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حفاوة الملأ الأعلى بعد ما أصابه من أذى البشر، وقبل أن يرى رسول الله حفاوة السماء غير الله له نظام الكون
والفارق كبير بين هذا الحدث العظيم والحدث الباهت بإنجيل متى
4: 8 ثم اخذه ايضا ابليس ( اليسوع ) الى جبل عال جدا و اراه جميع ممالك العالم و مجدها