فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
استهل الحق سبحانه هذه السورة بقوله (سبحان) ؛ لأنها تتحدث عن حدث عظيم خارق للعادة، ومعنى سبحانه: أي تنزيهًا لله تعالى تنزيهًا مطلقًا، أن يكون له شبه أو مثيل فيما خلق، لا في الذات، فلا ذات كذاته، ولا في الصفات فلا صفات كصفاته، ولا في الأفعال، فليس في أفعال خلقه ما يشبه أفعاله تعالى.
فإن قيل لك: الله موجود وأنت موجود، فنزه الله أن يكون وجوده كوجودك؛ لأن وجودك من عدم، وليس ذاتيًا فيك، ووجوده سبحانه ليس من عدم، وهو ذاتي فيه سبحانه.
فذاته سبحانه لا مثيل لها، ولا شبيه في ذوات خلقه. وكذلك إن قيل: سمع والله سمع. فنزه الله أن يشابه سمعه سمعك، وإن قيل: لك فعل، ولله فعل فنزه الله أن يكون فعله كفعلك. ومن معاني (سبحانه) أي: أتعجب من قدرة الله.
إذن: كلمة (سبحان) جاءت هنا لتشير إلى أن ما بعدها أمر خارج عن نطاق قدرات البشر، فإذا ما سمعته إياك أن تعترض أو تقول: كيف يحدث هذا؟ بل نزه الله أن يشابه فعله فعل البشر، فإن قال لك: إنه أسرى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس في ليلة، مع أنهم يضربون إليها أكباد الإبل شهرًا، فإياك أن تنكر.
فربك لم يقل: سرى محمد، بل أسرى به. فالفعل ليس لمحمد ولكنه لله، ومادام الفعل لله فلا تخضعه لمقاييس الزمن لديك، ففعل الله ليس علاجًا ومزاولة كفعل البشر.
وقوله: (أسرى) من السري، وهو السير ليلًا، وفي الحكم: (عند الصباح يحمد القوم السري) . فالحق سبحانه أسرى بعبد، فالفعل لله تعالى، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تقس الفعل بمقياس البشر، ونزه فعل الله عن فعلك، وقد استقبل أهل مكة هذا الحدث استقبال المكذب. فقالوا: كيف هذا ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرًا، وهم كاذبون في قولهم؛ لأن رسول الله لم يدع أنه سرى بل قال: أسرى بي.
ومعلوم أن قطع المسافات يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في السرعة. أي: أن الزمن يتناسب عكسيًا مع القوة، فلو أردنا مثلًا الذهاب إلى الإسكندرية سيختلف الزمن لو سرنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة أو طائرة، فكلما زادت القوة قل الزمن، فما بالك لو نسب الفعل
فإن قال قائل: مادام الفعل مع الله لا يحتاج إلى زمن، لماذا لم يأت الإسراء لمحة فحسب، ولماذا استغرق ليلة؟
نقول: لأن هناك فرقًا بين قطع المسافات بقانون الله سبحانه وبين مراء عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق، فرأى مواقف، وتكلم مع أشخاص، ورأى آيات وعجائب، هذه هي التي استغرقت الزمن.
وقلنا: إنك حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من الزمن على قدر قوة الفاعل. هب أن قائلًا قال لك: أنا صعدت بابني الرضيع قمة جبل"إفرست"، هل تقول له: كيف صعد ابنك الرضيع قمة"إفرست"؟
هذا سؤال إذن في غير محله، وكذلك في مسألة الإسراء والمعراج يقول تعالى: أنا أسريت بعبدي، فمن أراد أن يحيل المسألة وينكرها، فليعترض على الله صاحب الفعل لا على محمد. لكن كيف فاتت هذه القضية على كفار مكة؟
ومن تكذيب كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج نأخذ ردًا جميلًا على هؤلاء الذين يخوضون في هذا الحادث بعقول ضيقة وبإيمانية سطحية في عصرنا الحاضر، فيطالعونا بأفكار سقيمة ما أنزل الله بها من سلطان.
ونسمع منهم من يقول: إن الإسراء كان منامًا، أو كان بالروح دون الجسد. ونقول لهؤلاء: لو قال محمد لقومه: أنا رأيت في الرؤيا بيت المقدس، هل كانوا يكذبون؟ ولو قال لهم: لقد سبحت روحي الليلة حتى أتت بيت المقدس، أكانوا يكذبونه؟ أتكذب الرؤى أو حركة الأرواح؟!
إذن: في إنكار الكفار على رسول الله وتكذيبهم له دليل على أن الإسراء كان حقيقة تمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده، وكأن الحق سبحانه ادخر الموقف التكذيبي لمكذبي الأمس، ليرد به على مكذبي اليوم.
ويكفيك عزًا وكرامة أنك إذا أردت مقابلة سيدك أن يكون الأمر في يدك، فما عليك إلا أن تتوضأ وتنوي المقابلة قائلًا: الله اكبر، فتكون في معية الله عز وجل في لقاء تحدد أنت مكانه وموعده ومدته، وتختار أنت موضوع المقابلة، وتظل في حضرة ربك إلى أن تنهي المقابلة متى أردت.
وما احسن ما قال الشاعر:
حسب نفسي عزًا بأني عبد يحتفي بي بلا مواعيد رب
هو في قدسه الأعز ولكني أنا ألقي متى وأين احب
فما بالك لو حاولت لقاء عظيم من عظماء الدنيا؟ وكم أنت ملاق من المشقة والعنت؟ وكم دونه من الحجاب والحراس؟ ثم بعد ذلك ليس لك أن تختار لا الزمان ولا المكان، ولا الموضوع ولا غيره.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المتخلق بأخلاق الله إذا سلم على أحد لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده.
{ليلًا .."1"}
(سورة الإسراء)
سبق أن قلنا: إن السري هو السير ليلًا، فكانت هذه كافية للدلالة على وقوع الحدث ليلًا، ولكن الحق سبحانه أراد أن يؤكد ذلك، فقد يقول قائل: لماذا لم يحدث الإسراء نهارًا؟