فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
نقول: حدث الإسراء ليلًا، لتظل المعجزة غيبًا يؤمن به من يصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ذهب في النهار لرآه الناس في الطريق ذهابًا وعودة، فتكون المسألة ـ إذن ـ حسية مشاهدة لا مجال فيها للإيمان بالغيب.
لذلك لما سمع أبو جهل خبر الإسراء طار به إلى المسجد وقال: إن صاحبكم يزعم أنه أسرى به الليلة من مكة إلى بيت المقدس، فمنهم من قلب كفيه تعجبًا، ومنهم من أنكر، ومنهم من ارتد.
أما الصديق أبو بكر فقد استقبل الخبر استقبال المؤمن المصدق، ومن هذا الموقف سمي الصديق، وقال قولته المشهورة:"إن كان قال فقد صدق". إذن: عمدته أن يقول رسول الله، وطالما قال فهو صادق، هذه قضية مسلم بها عند الصديق رضي الله عنه.
ثم قال:"إنا لنصدقه في أبعد من هذا، نصدقه في خبر السماء (الوحي) ، فكيف لا نصدقه في هذا"؟
إذن: الحق سبحانه جعل هذا الحادث محكًا للإيمان، وممحصًا ليقين الناس، حين يغربل من حول رسول الله، ولا يبقى معه إلا أصحاب الإيمان واليقين الثابت الذي لا يهتز ولا يتزعزع. لذلك قال تعالى في آية أخرى:
{وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس .."60"}
وهذا دليل آخر على أن الإسراء لم يكن منامًا، فالإسراء لا يكون فتنة واختبارًا إلا إذا كان حقيقة لا منامًا، فالمنام لا يكذبه أحد ولا يختلف فيه الناس. لكن لماذا قال عن الإسراء (رؤيا) يعني المنامية، ولم يقل"رؤية"يعني البصرية؟
قالوا: لأنها لما كانت عجيبة من العجائب صارت كأنها رؤيا منامية، فالرؤيا محل الأحداث العجيبة.
وورد في الإسراء أحاديث كثيرة تكلم فيها العلماء: أكان بالروح والجسد؟ أكان يقظة أم منامًا؟ أكان من المسجد الحرام أم من بيت أم هانئ؟ ونحن لا نختلف مع هذه الآراء، ونوضح ما فيها من تقارب.
فمن حيث: أكان الإسراء بالروح فقط أم بالروح والجسد؟ فقد أوضحنا وجه الصواب فيه، وأنه كان بالروح والجسد جميعًا، فهذا مجال الإعجاز، ولو كان بالروح فقط ما كان عجيبًا، وما كذبه كفار مكة.
أما من ذهب إلى أن الإسراء كان رؤيا منام، فيجب أن نلاحظ أن أول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرؤيا الصادقة، فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا إلا وجاءت كفلق الصبح، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست كرؤيانا، بل هي صدق لابد أن يتحقق. ومثال ذلك ما حدث، من إرادة الله له رؤيا الفتح.
قال تعالى:
{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون .."27"}
(سورة الفتح)
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم صحابته هذا الخبر، فلما ردهم الكفار عند الحديبية، فقال الصحابة لرسول الله: ألم تبشرنا بدخول المسجد الحرام؟ فقال: ولكن لم أقل هذا العام.
لذلك يسمون هذه الرؤى رؤى الإيناس، وهي أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم الشيء منامًا، حتى إذا ما تحقق لم يفاجأ به، وكان له أنس به.
ومادام لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح فلابد أن هذه الرؤيا ستأتي واقعًا وحقيقة، وقد يرى هذه الرؤيا مرة أخرى على سبيل التذكرة بذلك الإيناس.
إذن: من قال: إن الإسراء كان منامًا نقول له: نعم كان رؤيا إيناس تحققت في الواقع، فلدينا رؤى الإيناس
أولًا، ورؤى التذكير بالنعمة
ثانيًا، وواقع الحادث في الحقيقة
ثالثًا، وبذلك نخرج من تعدد الأقوال حول: أكان الإسراء يقظة أم منامًا؟
وحتى بعد انتهاء حادث الإسراء كانت الرؤيا الصادقة نوعًا من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كلما اشتدت به الأهوال يريه الله تعالى ما حدث له ليبين له حفاوة السماء والكون به صلى الله عليه وسلم؛ ليكون جلدًا يتحمل ما يلاقي من التعنت والإيذاء.
أما من قال: إن الإسراء كان من بيت أم هانئ، فهذا أيضًا ليس محلًا للخلاف؛ لأن بيت أم هانئ كان ملاصقًا للمطاف من المسجد الحرام، والمطاف من المسجد. إذن: لا داعي لإثارة الشكوك والخلافات حول هذه المعجزة؛ لأن الفعل فعل الحق سبحانه وتعالى، والذي يحكيه لنا هو الحق سبحانه وتعالى، فلا مجال للخلاف فيه
{من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .."1"}
(سورة الإسراء)
المسجد الحرام هو بيت الله: الكعبة المشرفة، وسمي حرامًا؛ لأنه حرم فيه ما لم يحرم في غيره من المساجد. وكل مكان يخصص لعبادة الله نسميه مسجدًا
{إلى المسجد الأقصى .."1"}
(سورة الإسراء)
في بعد المسافة نقول: هذا قصي. أي: بعيد. وهذا أقصى أي: أبعد، فالحق تبارك وتعالى كأنه يلفت أنظارنا إلى أنه سيوجد بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى مسجد آخر قصي، وقد كان فيما بعد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمسجد الأقصى: أي: الأبعد، وهو مسجد بيت المقدس.
{باركنا حوله .."1"}
(سورة الإسراء)
دليل على المبالغة في البركة، فإن كان سبحانه قد بارك ما حول الأقصى، فالبركة فيه من باب أولى، كأن تقول: من يعيشون حول فلان في نعمة، فمعنى ذلك أنه في نعمة أعظم. لكن بأي شيء بارك الله حوله؟