فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لقد بارك الله حول المسجد الأقصى ببركة دنيوية، وبركة دينية: بركة دنيوية بما جعل حوله من أرض خصبة عليها الحدائق والبساتين التي تحوي مختلف الثمار، وهذا من عطاء الربوبية الذي يناله المؤمن والكافر.
وبركة دينية خاصة بالمؤمنين، هذه البركة الدينية تتمثل في أن الأقصى مهد الرسالات ومهبط الأنبياء، تعطرت أرضه بأقدام إبراهيم وإسحق ويعقوب وعيسى وموسى وزكريا ويحيى، وفيه هبط الوحي وتنزلت الملائكة.
{لنريه من آياتنا .."1"}
(سورة الإسراء)
اللام هنا للتعليل. كأن مهمة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس أن نرى رسول الله الآيات، وكلمة: الآيات لا تطلق على مطلق موجود، إنما تطلق على الموجود العجيب، كما نقول: هذا آية في الحسن، آية في الشجاعة، فالآية هي الشيء العجيب. ولله عز وجل آيات كثيرة منها الظاهر الذي يراه الناس من ليل ونهار والجوار في البحر كالأعلام
والله سبحانه يريد أن يجعل لرسوله صلى الله عليه وسلم خصوصية، وأن يريه من آيات الغيب الذي لم يره أحد، ليرى صلى الله عليه وسلم حفاوة السماء به، ويرى مكانته عند ربه الذي قال له:
{ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون"127"} (سورة النحل)
لأنك في سعة من عطاء الله، فإن أهانك أهل الأرض فسوق يحتفل بك أهل السماء في الملأ الأعلى، وإن كنت في ضيق من الخلق فأنت في سعة من الخالق
{إنه هو السميع البصير"1"}
(سورة الإسراء)
أي: الحق سبحانه وتعالى. السمع: إدراك يدرك الكلام. والبصر: إدراك يدرك الأفعال والمرائي، فلكل منهما ما يتعلق به. لكن سميع وبصير لمن؟
(سميع) لأقوال الرسول (بصير) بأفعاله، حيث آذاه قومه وكذبوه وألجوؤه إلى الطائف، فكان أهلها أشد قسوة من إخوانهم في مكة، فعاد منكرًا داميًا، وكان من دعائه:
"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
فالله سميع لقول نبيه صلى الله عليه وسلم. وبصير لفعله
والحق تبارك وتعالى تعرض لحادث الإسراء في هذه الآية على سبيل الإجمال، فذكر بدايته من المسجد الحرام، ونهايته في المسجد الأقصى، وبين البداية والنهاية ذكر كلمة الآيات هكذا مجملة.
وجاء صلى الله عليه وسلم ففسر لنا هذا المجمل، وذكر الآيات التي رآها، فلو لم يذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من آيات الله لقلنا: وأين هذه الآيات؟ فالقرآن يعطينا اللقطة الملزمة لبيان الرسول صلى الله عليه وسلم:
{إن علينا جمعه وقرآنه"17"فإذا قرأناه فاتبع قرآنه"18"ثم إن علينا بيانه"19"}
(سورة القيامة)
إذن: كان لابد لتكتمل صورة الإسراء في نفوس المؤمنين أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال من أحاديث الإسراء.
لكن يأتي المشككون وضعاف الإيمان يبحثون في أحاديث الإسراء عن مأخذ، فيعترضون على المرائي التي رآها رسول الله، وسأل عنها جبريل عليه السلام. فكان اعتراضهم أن هذه الأحداث في الآخرة، فكيف رآها محمد صلى الله عليه وسلم؟
ونقول لهؤلاء: لقد قصرت أفهامكم عن إدراك قدرة الله في خلق الكون، فالكون لم يخلق هكذا، بل خلق بتقدير أزلي له، ولتوضح هذه المسألة نضرب هذا المثل:
هب أنك أردت بناء بيت، فسوف تذهب إلى المهندس المختص وتطلب منه رسمًا تفصيليًا له، ولو كنت ميسور الحال تقول له: اعمل لي (ماكيت) للبيت، فيصنع لك نموذجًا مصغرًا للبيت الذي تريده.
فالحق سبحانه خلق هذا الكون أزلًا، فالأشياء مخلوقة عند الله (كالماكيت) ، ثم يبرزها سبحانه على وفق ما قدره. وتأمل قول الحق سبحانه وتعالى:
{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون"82"}
(سورة يس)
انظر: (أن يقول له) كأن الشيء موجود والله تعالى يظهره فحسب، لا يخلقه بداية، بل هو مخلوق جاهز ينتظر الأمر ليظهر في عالم الواقع؛ لذلك قال أهل المعرفة: أمور يبديها ولا يبتديها.
وإن كان الحق تبارك وتعالى قد ذكر الإسراء صراحة في هذه الآية، فقد ذكر المعراج بالالتزام في سورة النجم، في قوله تعالى:
{ولقد رآه نزلة أخرى"13"عند سدرة المنتهى"14"عندها جنة المأوى"15"إذ يغشى السدرة ما يغشى"16"ما زاغ البصر وما طغى"17"لقد رأى من آيات ربه الكبرى"18"}
(سورة النجم)
ففي الإسراء قال تعالى:
{لنريه من آياتنا .."1"}
(سورة الإسراء)
وفي المعراج قال:
{لقد رأى من آيات ربه الكبرى"18"}
(سورة النجم)