فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 4557

قال الزركشي (138) : (فصل في القول عند تعارض الآي: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إذا تعارضت الآي ، وتعذر فيها الترتيب والجمع ، طلب التاريخ ، وترك المتقدم منهما بالمتأخر ، ويكون ذلك نسخا له . وإن لم يوجد التاريخ ، وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين ، علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها .

قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين .

وذكروا عند التعارض مرجحات:

الأول: تقديم المدني على المكي ، وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه صلى الله عليه وسلم بعد عوده إلى مكة ، والمدنية قبلها ، فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص والتقديم ؛ إذ كان غالب الآيات المكية نزولها قبل الهجرة .

الثاني: أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة ، والآخر على غالب أحوال أهل المدينة ، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة ، كقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا( مع قوله: (كتب عليكم القصاص في القتلى( [ سورة البقرة 178 ] فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل ، جعل التخصيص في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا( كأنه قال إلا من وجب عليه القصاص ومثل قوله: (غير محلي الصيد وأنتم حرم( [سورة المائدة: 1] ونهيه ( عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين( [سورة المائدة: 4] فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم ، وخص من اصطاده في الحل وأدخله حيا فيه .

الثالث: أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه ، والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه ، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب ، كقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله( [سورة البقرة: 196 ] مع قوله: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي( [ البقرة: 196 ] وقد أجمعت الأمة على أن الهدي لا يجب بنفس الحصر ، وليس فيه صريح الإحلال بما يكون سببا له ، فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله( على ما عارضه من الآية .

الرابع: أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد ، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر ، كقوله: (وأن تجمعوا بين الأختين( بقوله: (وما ملكت أيمانكم(فيخص الجمع بملكه اليمين بقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف( [ النساء: 23 ] فتحمل آية الجمع على العموم ، والقصد فيها بيان ما يحل وما يحرم وتحمل آية الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال .

الخامس: أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه ، كقوله: (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم( [ المائدة: 106 ] مع قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا(

[ الحجرات: 6] الآية فيمكن أن يقال في الآية بالتبين عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم ، أو مسلم فاسق على كافر ، وأن يقبل الكافر على الكافر وإن كان فاسقا ، أو يحمل ظاهر قوله: (أو آخران من غيركم( على القبيلة دون الملة ، ويحمل الأمر بالتثبت على عموم النسيان في الملة لأنه رجوع إلى تعيين اللفظ ، وتخصيص الغير بالقبيلة ؛ لأنه رجوع إلى الاسم على عموم الغير .

السادس: ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا ، كتقديم قوله تعالى: (وأحل الله البيع( [البقرة: 275] على قوله: (وذروا البيع( [ الجمعة: 9 ] فإن قوله: (وأحل( يدل على حل البيع ضرورة ، ودلالة النهي على فساد البيع إما ألا تكون ظاهرة أصلا ، أو تكون ظاهرة منحطة عن النص) اهـ .

وقد ذكر الشوكاني في كتابه"إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول"في باب أنواع الترجيح (139) طرقا كثيرة للترجيح: فباعتبار المتن ذكر ثمانية وعشرين نوعا ، وباعتبار المدلول تسعة أنواع ، والترجيح باعتبار أمور خارجة ذكر عشرة أنواع ؛ فالمجموع سبعة وأربعون نوعا للترجيح .

يقول الشوكاني: (واعلم أن الترجيح قد يكون باعتبار الإسناد ، وقد يكون باعتبار المتن ، وقد يكون باعتبار المدلول ، وقد يكون باعتبار أمر خارج ، فهذه أربعة أنواع) (140) .

( فأما باعتبار السند فهذه لا يلتفت إليها في القرآن ؛ لأنه قطعي الثبوت ، وإنما تكون في التعارض بين الأحاديث .

وأما المرجحات باعتبار المتن فهي أنواع ، فمن الأنواع التي لها أثر فيما ظاهره التعارض في القرآن:

1-تقديم الحقيقة على المجاز ، لتبادرها إلى الذهن ، هذا إذا لم يغلب المجاز كقوله تعالى ( . . بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ . . ( فيكون المراد بها اليد الحقيقية لا المجاز بمعنى القوة والكرم ، لاسيما والتثنية تأباه .

2-أنه يقدم المجاز الذي هو أشبه بالحقيقة على المجاز الذي لم يكن كذلك .

3-أنه يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت