فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كان مسجد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مبني على جذوع من نخل ، فكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أراد أن يخطب يستند إلى أحد هذه الجذوع دائما ، ومكث على هذه مدة ،فلما كثر الناس وأصبح المسجد يمتلئ بالمصلين ، وكان الذين في الصفوف الأخيرة لا يرون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا سيما من النساء ، فجاءت إحدى نساء الأنصار إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت: يا رسول الله ، إن لي غلاما نجارا ، فإن شئت أمرته ليصنع لك منبرا . فوافق النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على هذا الأمر ، فصنعتْ للنبي منبرا من ثلاث درجات ، ووضعته في المسجد بجانب ذلك الجذع الذي كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخطب إليه دائما ، فلما خرج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للخطبة ، مر بجانب ذلك الجذع ولم يخطب عنده ، وتعداه ورقى المنبر ليخطب عليه ، فلما أحس الجذع أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) تركه ، حزن وجزع وأخذ يبكي ويصيح حتى كاد أن يتصدع حزنا على رسول الله (، فقال النبي( صلى الله عليه وسلم ) : « ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة؟» فأقبل الناس وارتج المسجد من حنينها حتى كثر البكاء في المسجد ، فنزل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فوضع يده عليها يهدهدها (223) ثم ضمها إليه ، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يُسكّت حتى سكتت ،فقال النبي: « أما والذي نفس محمد بيده ، لو لم أحتضنه لحن هكذا إلى يوم القيامة حزنا على رسول الله » . ثم أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) به فدفن تحت منبره .
يقول جابر: بكت على ما كانت تسمع من الذكر ) (224) .
7-عقوبة من خادع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) :
عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًًّا فَأَسْلَمَ ، وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ( ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا ولحق بأهل الكتاب ، فعظموه ورفعوه وقالوا: هذا رجل يكتب لمحمد فأعجبوا به ،فَكَانَ يَقُولُ:مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ . فما لبث أن قصم الله عنقه ومات ،فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا:هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ . فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا:هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ) (225) .
و غير ذلك من الأدلة والآيات والبراهين و المعجزات على صدقه ( و تأييد الله تعالى له .
وبعض الطاعنين أنكر معجزات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال: إنه لا يقبلها عقل . ومما يؤسف له أن كثيرا من المعاصرين على ذلك:
يقول محمد رشيد رضا: (وأما تلك العجائب الكونية ، فهي مثار شبهات وتأويلات كثيرة في روايتها وفي صحتها وفي دلالتها ، وأمثال هذه الأمور تقع من أناس كثيرين في كل زمان، والمنقول منها عن صوفية الهنود المسلمين أكثر من المنقول عن العهدين العتيق والجديد، وعن مناقب القديسين ، وهي من منفرات العلماء عن الدين في هذا العصر) (226) . وقال: (لولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى - عليهما السلام - لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر ، واهتداؤهم به أعم وأسرع ) (227) .
وهذا الكلام في غاية الخطورة ، فكأنه يشير إلى أن الله تعالى صد الناس عن الإيمان بسبب ذكره هذه الآيات ، ونقول له:( قل أأنتم أعلم أم الله ( ؟ وإن المرء ليعجب أشد العجب ؛ إذ كيف لرجل مثل رشيد رضا أن يتهم القرآن لأجل أحرار الإفرنج .
وقال الشيخ مصطفى المراغي في تقديمه لكتاب"حياة محمد"لمحمد حسين هيكل: (ولم تكن معجزة محمد القاهرة إلا في القرآن ، وهي معجزة عقلية ، وما أبدع قول البوصيري:
لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا الْعُقُولُ بِهِ حِرْصًا عَلَيْنَا،فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِمِ (228) .
وبمعنى هذا الكلام قال محمد حسين هيكل ، وعبدالعزيز جاويش ، ومحمد فريد وجدي، والشيخ محمود شلتوت ، والشيخ محمد عبده (229) . وغالب المدرسة العقلية على هذا الرأي؛ وهو إنكار جميع المعجزات إلا القرآن ، وبعضهم لا ينكرها ولكن يقول: هي ليست بذات أهمية، فضلا أن تكون دليلا على صحة نبوة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .
وقد استخدم بعضهم تأويلات باردة في إنكار المعجزات ؛ فبعضهم يتكئ
على قضية ورودها في أحاديث آحاد ، وأحاديث الآحاد لا تُقبل في