فهرس الكتاب

الصفحة 2223 من 4557

وقال: (وَقَدْ وَقَعَ عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ بَيَان الْمُرَاد فَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ:"اِنْشَقَّ الْقَمَر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه( وَنَحْنُ بِمَكَّة قَبْل أَنْ نَصِيرَ إِلَى الْمَدِينَة"فَوَضح أَنَّ مُرَاده بِذِكْرِ مَكَّة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل الْهِجْرَة , وَيَجُوز أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ لَيْلَتئِذٍ بِمِنًى) (242) .

ورواية (رأيت القمر على الجبل وقد انشق ، فأبصرت الجبل بين فرجتي القمر ) ورواية (فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما) ، لا تعارض بينهما ألبتة،وكذا رواية (انشق القمر فرقتين ، فرقة فوق الجبل ، وفرقة دونه) فإنها قريبة من معناهما .

فلم يبق إلا ما ظاهره التعارض بين هاتين الروايتين (رأيت القمر منشقا شقتين ؛ شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء) ، ورواية ( فانشق القمر نصفين ؛ نصفا على الصفا ، ونصفا المروة ) .

وهذا ليس فيه إشكال ؛ فإن نظر الإنسان يختلف بحسب الزاوية التي ينظر منها ، فمرة يرى القمر فوق أبي قبيس ، ثم إذا تحرك رآه على الصفا وهكذا ، أو هو بحسب اختلاف جهة الناظرين ، فبعضهم يراه من زاوية والآخرين من زواية أخرى .

وقال ابن حجر: (لَفْظِ"رَأَيْت الْقَمَر مُنْشَقًّا شُقَّتَيْنِ: شُقَّة عَلَى أَبِي قُبَيْس ، وَشُقَّة عَلَى السُّوَيْدَاء"وَالسُّوَيْدَاء بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِير نَاحِيَة خَارِجَة مَكَّة عِنْدهَا جَبَل ،وَقَوْل اِبْن مَسْعُود": عَلَى أَبِي قُبَيْس". يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَآهُ كَذَلِكَ وَهُوَ بِمِنًى ، كَأَنْ يَكُون عَلَى مَكَان مُرْتَفِع بِحَيْثُ رَأَى طَرَف جَبَل أَبِي قُبَيْس ،وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر اِسْتَمَرَّ مُنْشَقًّا حَتَّى رَجَعَ اِبْن مَسْعُود مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّة، فَرَآهُ كَذَلِكَ وَفِيهِ بَعْد ،وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه غَالِب الرِّوَايَات أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ قُرْب غُرُوبه ،وَيُؤَيِّد ذَلِكَ إِسْنَادهمْ الرُّؤْيَة إِلَى جِهَة الْجَبَل ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِانْشِقَاق وَقَعَ أَوَّل طُلُوعه؛ فَإِنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة الْبَدْر ،أَوْ التَّعْبِير بِأَبِي قُبَيْس مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة ؛ لِأَنَّ الْغَرَض ثُبُوت رُؤْيَته مُنْشَقًّا، إِحْدَى الشِّقَتَيْنِ عَلَى جَبَل، وَالْأُخْرَى عَلَى جَبَل آخَر، وَلَا يُغَايِر ذَلِكَ قَوْل الرَّاوِي الْآخَر: رَأَيْت الْجَبَل بَيْنهمَا . أَيْ بَيْن الْفِرْقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَتْ فِرْقَة عَنْ يَمِين الْجَبَل ، وَفِرْقَة عَنْ يَسَاره مِثْلًا صَدَقَ أَنَّهُ بَيْنهمَا ،وَأَيّ جَبَل آخَر كَانَ مِنْ جِهَة يَمِينه أَوْ يَسَاره صَدَقَ أَنَّهَا عَلَيْهِ أَيْضًا) (243) .

وفي رواية لمسلم من حديث أَنَسٍ: (أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم ) أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ ) (244) .

وهذه الرواية تقضي على جميع الإشكالات ، فهي تدل أن الانشقاق حصل مرتين ، فمرة رأوه فوق جبل أبي قبس ومرة عند الصفا ، وإن كان بعض العلماء يشكك في هذه اللفظة (مرتين) ويرى أنها (فرقتين) (245) .

ولو سلمنا التعارض التام بين هاتين اللفظتين من كل جهة ، فهذا لا يضر في أصل الحديث ، وأقصى ما فيه أن ابن مسعود ، أو أحد الرواة عنه كان يهم في اسم الجبلين ، فتارة يقول (شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء) ، وتارة ( فانشق القمر نصفين ، نصفًا على الصفا، ونصفًا المروة ) ، وأما أصل الحديث وهو الشاهد منه ، أن القمر انشق ، فليس فيها أي اضطراب أو نسيان أو وهم .

ولو سلمنا أن هذا الاضطراب يسقط الاحتجاج بالحديث ، فما القول إذن بحديث علي، وحذيفة ، وجبير بن مطعم ، وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

ثالثا: الإشكال الفلكي:

دعواه وجوب وجود النقل القطعي على هذه الحادثة، فنقول: قد وجد . فالحديث منقول في أصح الكتب ، بل نص العلماء على تواتره، بل ذكره الله في كتابه، بل أجمع العلماء على وقوعه ، بل حتى الكفار قد ذكروه في كتبهم ممن عاصروا الحادثة . فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: ( إنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه أنه بُني في الليلة التي انشق القمر فيها) (246) .

ويؤيد هذا ما نقله السيد رشيد رضا نفسه حيث قال: ( على أن الحافظ المزي نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، أن بعض المسافرين ذكر أنه رأى في بلاد الهند بناء قديما مكتوبا عليه أنه بُني ليلة انشق القمر) . ثم قال رشيد رضا: ( وأذكر أنني رأيت في بعض الكتب أو الصحف، أن هذا رؤي في بلاد الصين) (247) .

و(في مقابلة تليفزيونية للأستاذ الدكتور زغلول النجار، سأله مقدم البرنامج عن هذه الآية؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت