فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
6-هذه الآية لم تكن مشروطة بالعذاب، كما حصل من عيسى عندما سأل ربه أن ينزل على قومه مائدة من السماء ، فقال الله تعالى: ( إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ( [المائدة:115] .
وعلى هذا تكون أمة محمد مستثناة من هذا الحكم .
خامسا:نزيد على ذلك أنه قد تم إجماع العلماء على وقوعه:
قال ابن كثير في تفسيره: (وهذا أمر متفق عليه بين العلماء ؛ أي انشقاق القمر، قد وقع في زمان النبي( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات) (259) .
وقال في البداية والنهاية: (وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ، وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة) (260) ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، وقرر بعدها (فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز) (261) .
وفي نظم السيرة لأبي الفضل العراقي:
فصار فرقتين فرقة علت وفرقة للطود منه نزلت
وذاك مرتين (262) بالإجماع والنص والتواتر السماعي (263)
(وقال الحافظ ابن حجر:أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه) (264) .
-وأما قول رشيد رضا - فيما نقلناه عنه تحت عنوان الإشكال الأصولي الأعظم (265) : (فليس له أن يجعلها من عقائد المسلمين) .
فهذا كلام غريب؛ إذ فكيف لا يكون من عقائد المسلمين، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه، وتواترت سنة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في ذكره وتتابع علماء المسلمين على جعلها من عقائد المسلمين، وذكرها في دلائل النبوة، كما فعل البيهقي وأبو نعيم، وكل من تكلم عن دلائل النبوة ذكر فيه هذه الآية (266) ؟
ثم لو سلم لرشيد رضا كل ما تقدم، وأن هذه المعجزة غير ثابتة، فماذا يقول في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ... ( [الإسراء:1] فهل يُنكر أيضا حادثة الإسراء والمعراج؟ وهل ينكر حادثة الفيل؟ وكلها ثابت في القرآن.
ونحن نسأل من أنكر معجزات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، هل هو ينكر مبدأ المعجزات، وأنه لا يوجد شيء اسمه خرق عادة، أم أنه ينكر آحاد هذه المعجزات التي حصلت للنبي ( ؟
-إن كان ينكر آحاد هذه المعجزات مع إيمانه بمبدأ المعجزات -كما هو الحال عند معظم المستشرقين والمعاصرين- قلنا له: بما أنك تؤمن بإمكان وقوع المعجزات، فليس لك حق أن تتخير منها ما تشاء فتقبله وترد منها ما تشاء، بل الذي يخرق العادة هو الله تعالى، والله يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ، فإذا ثبت النقل فهذا كافٍ في إثبات صحتها، وكون العقل لا يقبلها هذا أمر لا بد منه؛ إذ أن صفة المعجزة أنها تحير العقول وتخرق العادات .
-وأما إن كان يرفض مبدأ المعجزة بالكلية ؛ قلنا له: إنك بهذا الرفض قد أنكرت نبوة جميع الرسل والنبيين ؛ إذ إن الرسل والأنبياء إنما يدللون على صحة قولهم بخرق العادة لهم، التي لا يخرقها الله تعالى إلا لصادق ، وبهذا تسلم لهم الجموع وتنقاد ، فإنكار المعجزات كلها كفر بالأنبياء، وتكذيب لله تعالى، وإلحاد في جميع الأديان.
وبهذا لا يبقى للمنكر أي حجة في إنكار وقوع هذه الحادثة.
أرأيت كيف فتح بعض المعاصرين الباب للطاعنين ، عفا الله عنهم وغفر لهم.
(194) انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (ص:89) ، دار الكتب العلمية ،بيروت،الطبعة الأولي،1995.
(195) إصدار دار ابن حزم ،بيروت ،الطبعة الأولي،2000.
(196) الناشر مكتبة ابن تيمية ، القاهرة،الطبعة الثانية ، 1987 .
(197) انظر: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم ، ص 87 .
(198) متفق عليه (البخاري:كتاب المناقب ، باب ذكر الجن ، رقم:3646، ومسلم:كتاب الصلاة ، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن ، رقم:450)
(199) أخرجه مسلم (كتاب الفضائل ،باب فضل نسب النبي( صلى الله عليه وسلم ) وتسليم الحجر،رقم: 2277).
(200) أخرجه أحمد (رقم: 11702 ) ،وابن ماجه (كتاب الفتن ، باب الصبر على البلاء ، رقم: 4028 ) ، وإسناده صحيح بشواهده (انظر: دلائل النبوة، للوادعي /96) .
(201) أخرجه الدارمي ( في المقدمهّ في باب ما أكرم الله نبيه من إيمان الشجر به ، رقم: 24 ) والترمذي (كتاب المناقب ، باب في إثبات نبوة النبي( صلى الله عليه وسلم ) ، رقم: 3628) و اللفظ له وقال: حسن صحيح ، (وانظر دلائل النبوة للوادعي/98) .
(202) أخرجه مسلم ( كتاب الزهد والرقاق ،باب حديث جابر الطويل وقصة أبي بسر ، رقم:3014) .