فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
(و اعلم أنك مهما أزحت عن نفسك راحة اليقين. وأرخيت لها عنان الشك، وتركتها تفترض أسوأ الفروض في الواقعة الواحدة، والحادثة الفذة من هذه السيرة المكرمة، فإنك متى وقفت منها على مجموعة صالحة، لا تملك أن تدفع هذا اليقين عن نفسك، إلا بعد أن تتهم وجدانك و تشك في سلامة عقلك ، فنحن قد نرى الناس يدرسون حياة الشعراء في أشعارهم، فيأخذون عن الشاعر من كلامه صورة كاملة؛ تتمثل فيها عقائده، وعوائده، وأخلاقه، ومجرى تفكيره، و أسلوب معيشته، و لا يمنعهم زخرف الشعر و طلاؤه عن استنباط خيلته(289) ، وكشف رغوته عن صريحه (290) ؛ ذلك أن للحقيقة قوة غلابة تنفذ من حجب الكتمان، فتُقرأ بين السطور و تُعرف في لحن القول ، و الإنسان مهما أمعن في تصنعه و مداهنته لا يخلو من فلتات في قوله وفعله، تنم على طبعه إذا أُحفِظ أو أُحرج، أو احتاج أو ظفر، أو خلا بمن يطمئن إليه .
و مهما تكن عند امرئ من خليقة و إن خالها تخفى على الناس تعلم
فما ظنك بهذه الحياة النبوية، التي تعطيك في كل حلقة من حلقاتها مرآة صافية لنفس صاحبها، فتريك باطنه من ظاهره، و تريك الصدق و الإخلاص ماثلًا في كل قول من أقواله و كل فعل من أفعاله . بل كان الناظر إليه إذا قويت فطنته و حسنت فراسته، يرى أخلاقه العالية تلوح في محياه و لو لم يتكلم أو يعمل . و من هنا كان كثير ممن شرح الله صدورهم للإسلام لا يسألون رسول الله على ما قال برهانًا ، فمنهم العشير (291) الذي عرفه بعظمة سيرته ؛ و منهم الغريب الذي عرفه بسيماه في وجهه) (292) كما حصل لعبد الله بن سلام.
ثم إن الكاذب لو استطاع أن يكذب على كل الناس ؛ فإنه لن يكذب على نفسه ويصدِّقُ كذبه ،
ومن هذه الأمثلة على هذه الحقيقة قوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( [المائدة:67] .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:كَانَ النَّبِيُّ ( يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ( فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم ) رَأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ ، فَقَالَ لَهُمْ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ» . (293) ، فهل هذا فعل كاذب ، كيف لكاذب أن يطرد الذين يحرسونه بزعم أن الله سيعصمه، وهو يعلم في قرارة ذاته كذب نفسه ،والعرب قد رمته عن قوس واحدة تتربص له في كل طريق ، ألا يخاف أن يغتال ؟!.
إن هذا الأمر لا يفعله إلا رجل صادق، يأوي إلى ركن شديد، واثق من أن الذي أرسله سيحميه من كل المخاطر.
ومن هذا الباب حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ (294) ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ ،فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ( فَاخْتَرَطَهُ(295) ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) : أَتَخَافُنِي ؟ قَالَ: « لَا » . قَالَ:فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قَالَ: « اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ» . وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) فَجِئْنَا، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: « إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ صَلْتًا (296) ، قَالَ:مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قُلْتُ:« اللَّهُ ،فَشَامَهُ -يعني أدخله في غمده- ثُمَّ قَعَدَ فَهُوَ هَذَا » . قَالَ: وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ) (297) .
(ومن أعظم الوقائع تصديقا لهذا النبأ الحق، ذلك الموقف المدهش الذي وقفه النبي( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة حنين ، منفردًا بين الأعداء، وقد انكشف المسلمون وولوا مدبرين، فطفق هو يركض بغلته إلى جهة العدو، والعباس بن عبدالمطلب آخذ بلجامها يكفها إرادة ألا تسرع ، فأقبل المشركون إلى رسول الله ( ، فلما غشوه لم يفر ولم ينكص، بل نزل عن بغلته كأنما يمكنهم من نفسه، وجعل يقول: « أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب » (298) . كأنما يتحداهم ويدلهم على مكانه، فوالله ما نالوا منه نيلا، بل أيده الله بجنده، وكف عنه أيديهم بيده) (299) .