فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 4557

فالشورى واحدة من الصفات المميزة للمؤمنين والمؤمنات ، في كل ميادين التدبير وصناعة القرار.. والأسرة هى الميدان التأسيسى والأول في هذه الميادين.. تجبُ هذه الشورى ، ويلزم هذا التشاور في مجتمع الأسرة ? لتتأسس التدابير والقرارات على الرضا ، الذى لا سبيل إليه إلا بالمشاركة الشورية في صنع القرارات.. يستوى في ذلك الصغير والخطير من هذه التدابير والقرارات.. حتى لقد شاءت الحكمة الإلهية أن ينص القرآن الكريم على تأسيس قرار الرضاعة للأطفال - أى سقاية المستقبل وصناعة الغد على الرضا الذى تثمره الشورى.. ففى سياق الآيات التى تتحدث عن حدود الله في شئون الأسرة.. تلك الحدود المؤسسة على منظومة القيم.. والمعروف.. والإحسان.. ونفى الجُناح والحرج.. وعدم المضارة والظلم والعدوان.. والدعوة إلى ضبط شئون الأسرة بقيم التزكية والطهر ، لا"بترسانة"القوانين الصماء !.. في هذا السياق ينص القرآن الكريم على أن تكون الشورى هى آلية الأسرة في صنع كل القرارات: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير) (4) .

هكذا فهم المسلمون معنى القوامة.. فهى مسئولية وتكاليف للرجل ، مصاحبة لمساواة النساء بالرجال.. وبعبارة الإمام محمد عبده:"إنها تفرض على المرأة شيئًا وعلى الرجل أشياء".

وكانت السنة النبوية في عصر البعثة البيان النبوى للبلاغ القرآنى في هذا الموضوع.. فالمعصوم صلى الله عليه وسلم الذى حمّله ربه الحمل الثقيل في الدين.. والدولة.. والأمة.. والمجتمع - (إنا سنلقى عليك قولًا ثقيلًا ) (5) . هو الذى كان في خدمة أهله - أزواجه - وكانت شوراهن معه وله صفة من صفات بيت النبوة ، في الخاص والعام من الأمور والتدابير.. ويكفى أن هذه السنة العملية قد تجسدت تحريرًا للمرأة ، شاركت فيه الرجال بكل ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية.. وحتى القتال.. كما كان صلى الله عليه وسلم دائم التأكيد على التوصية بالنساء خيرًا..فحريتهن حديثة العهد ، وهن قريبات من عبودية التقاليد الجاهلية ، واستضعافهن يحتاج إلى دوام التوصية بهن والرعاية لهن.. وعنه صلى الله عليه وسلم تروى أقرب زوجاته إليه عائشة رضى الله عنها:"إنما النساء شقائق الرجال"رواه أبو داود والترمذى والدارمى والإمام أحمد وعندما سئلت:

ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته ؟

قالت:"كان بشرًا من البشر ، يغلى ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه"رواه الإمام أحمد يفعل ذلك ، وهو القَوَّام على الأمة كلها ، في الدين والدولة والدنيا جميعًا !..وفى خطبته صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع [ 10 هجرية / 632 م ] وهى التى كانت إعلانا عالميا خالدًا للحقوق والواجبات الدينية والمدنية ? كما صاغها الإسلام أفرد صلى الله عليه وسلم للوصية بالنساء فقرات خاصة ، أكد فيها على التضامن والتناصر بين النساء والرجال في المساواة والحقوق والواجبات فقال:"ألا واستوصوا بالنساء خيرًا ، فإنهن عوان عندكم ، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. ألا إن لكم على نسائكم حقًا ولنسائكم عليكم حقًا.. فاتقوا الله في النساء ، واستوصوا بهن خيرًا ، ألا هل بلغت !. اللهم فاشهد" (6) .

هكذا فُهمت القوامة في عصر التنزيل.. فكانت قيادة للرجل في الأسرة ، اقتضتها مؤهلاته ومسئولياته في البذل والعطاء.. وهى قيادة محكومة بالمساواة والتناصر والتكافل بين الزوج وزوجه في الحقوق والواجبات ومحكومة بالشورى التى يسهم بها الجميع ويشاركون في تدبير شئون الأسرة.. هذه الأسرة التى قامت على"الميثاق الغليظ"ميثاق الفطرة والذى تأسس على المودة والرحمة ، حتى غدت المرأة فيها السكن والسكينة لزوجها حيث أفضى بعضهم إلى بعض ، هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن ، فهى بعض الرجل والرجل بعض منها: (بعضكم من بعض) (7) - (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (8) (هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن ) (9) (وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) (10) .

وإذا كانت القوامة ضرورة من ضروريات النظام والتنظيم في أية وحدة من وحدات التنظيم الاجتماعى ، لأن وجود القائد الذى يحسم الاختلاف والخلاف ، هو مما لا يقوم النظام والانتظام إلا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت