فلقد ربط القرآن هذه الدرجة في الريادة والقيادة بالمؤهلات وبالعطاء ، وليس بمجرد"الجنس"فجاء التعبير: (الرجال قوامون على النساء) وليس كل رجل قوّام على كل امرأة.. لأن إمكانات القوامة معهودة في الجملة والغالب لدى الرجال ، فإذا تخلفت هذه الإمكانات عند واحد من الرجال ، كان الباب مفتوحًا أمام الزوجة إذا امتلكت من هذه المقومات أكثر مما لديه لتدير دفة الاجتماع الأسرى على نحو ما هو حادث في بعض الحالات !..
هكذا كانت القوامة في الفكر والتطبيق في عصر صدر الإسلام.. لكن الذى حدث بعد القرون الأولى وبعد الفتوحات التى أدخلت إلى المجتمع الإسلامى شعوبًا لم يذهب الإسلام عاداتها الجاهلية ، في النظر إلى المرأة والعلاقة بها ، قد أصاب النموذج الإسلامى بتراجعات وتشوهات أشاعت تلك العادات والتقاليد الجاهلية في المجتمعات الإسلامية من جديد..
ويكفى أن نعرف أن كلمةٍ"عَوَان"التى وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بها النساء ، في خطبة حجة الوداع ، والتى تعنى فى [ لسان العرب ] :"النَّصَف والوسط" (11) أى الخيار وتعنى ذات المعنى في موسوعات مصطلحات الفنون (12) .. قد أصبحت تعنى - في عصر التراجع الحضارى - أن المرأة أسيرة لدى الرجل ، وأن النساء أسرى عند الرجال.. وأن القوامة هى لون من"القهر"لأولئك النساء الأسيرات !! حتى وجدنا إمامًا عظيمًا مثل ابن القيم ، يعبر عن واقع عصره العصر المملوكى فيقول هذا الكلام الغريب والعجيب:"إن السيد قاهر لمملوكه ،حاكم عليه ، مالك له. والزوج قاهر لزوجته ، حاكم عليها ، وهى تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير" (13) !!
وهو فهم لمعنى القوامة ، وعلاقة الزوج بزوجه ، يمثل انقلابًا جذريا على إنجازات الإسلام في علاقة الأزواج بالزوجات !.. انقلاب جذريًّا فالعادات والتقاليد الجاهلية التى أصبحت تغالب قيم الإسلام في تحرير المرأة ومساواة النساء للرجال..
ووجدنا كذلك في عصور التقليد والجمود الفقهى تعريف بعض"الفقهاء"لعقد النكاح ، فإذا به:"عقد تمليك بضع الزوجة"!!.. وهو انقلاب على المعانى القرآنية السامية لمصطلحات"الميثاق الغليظ"و"المودة".. والرحمة.. والسكن والسكينة.. وإفضاء كل طرف إلى الطرف الآخر ، حتى أصبح كل منهما لباسًا له".."
هكذا حدث الانقلاب ، في عصور التراجع الحضارى لمسيرة أمة الإسلام..
ولذلك ، كان من مقتضيات البعث الحضارى ، الحديث والمعاصر ، لنموذج الإسلام في تحرير المرأة وإنصافها ، كبديل للنموذج الغربى الذى اقتحم عالم الإسلام في ركاب الغزوة الاستعمارية الغربية لبلادنا والذى شقيت وتشقى به المرأة السوية في الغرب ذاته كان من مقتضيات ذلك إعادة المفاهيم الإسلامية الصحيحة لمعنى قوامة الرجال على النساء.. وهى المهمة التى نهضت بها الاجتهادات الإسلامية الحديثة والمعاصرة لأعلام علماء مدرسة الإحياء والتجديد..
فالإمام محمد عبده ، قد وقف أمام آيات القوامة (ولهن مثل الذىعليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (14) فإذا به يقول:
"هذه كلمة جليلة جدًا ، جمعت على إيجازها مالا يُؤَدى بالتفصيل إلا في سفر كبير ، فهى قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق ، إلا أمرًا واحدًا عبّر عنه بقوله: (وللرجال عليهن درجة) وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهن ومعاملاتهن في أهليهن ، وما يجرى عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم.."
فهذه الجملة تعطى الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشئون والأحوال ، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه ، ولهذا قال ابن عباس ، رضى الله عنهما: إننى لأتزين لامرأتى كما تتزين لى ، لهذه الآية.
وليس المراد بالمثل المثل بأعيان الأشياء وأشخاصها ، وإنما المراد: أن الحقوق بينهما متبادلة ، وأنهما كفئان ، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها ، وإن لم يكن مثله في شخصه ، فهو مثله في جنسه ، فهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل ، أى أن كلا منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه ، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به ، ويكره مالا يلائمه وينفر منه ، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدا يستذله ويستخدمه في مصالحه ، ولا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التى لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه..
هذه الدرجة التى رُفع النساء إليها لم يرفعهن إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع ، بل لم تصل إليها أمة من الأمم قبل الإسلام ولا بعده..