فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 4557

لقد خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة ، في العبادات والمعاملات ، كما خاطب الرجال ، وجعل لهن مثل ما جعله عليهن ، وقرن أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة ، وبايع النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنات كما بايع المؤمنين ، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم ، وأجمعت الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا والآخرة..

وأما قوله تعالى: (وللرجال عليهن درجة) فهو يوجب على المرأة شيئًا ، وذلك أن هذه الدرجة درجة الرياسة والقيام على المصالح ، المفسرة بقوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) (15) .

إن الحياة الزوجية حياة اجتماعية ، ولا بد لكل اجتماع من رئيس ، لأن المجتمعين لابد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور ، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يُرجع إلى رأيه في الخلاف ، لئلا يعمل كل ضد الآخر فتفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام ، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة ، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله ، ومن ثم كان هو المطالب شرعًا بحماية المرأة والنفقة عليها ، وكانت هى مطالبة بطاعته في المعروف.

إن المراد بالقيام"القوامة"هنا هو الرياسة التى يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره ، وليس معناه أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة لا يعمل عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه.

إن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد ، فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.

أما الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم ، فإنما يلدون عبيدًا لغيرهم"? (16) !!."

"وإذا كانت عصور التراجع الحضارى كما سبق وأشرنا قد استبدلت بالمعانى السامية لعقد الزواج المودة ، والرحمة ، والسكن والميثاق الغليظ"ذلك المعنى الغريب"عقد تمليك بُضع الزوجة"! ? وعقد أسر وقهر !. فلقد أعاد الاجتهاد الإسلامى الحديث والمعاصر الاعتبار إلى المعانى القرآنية السامية.. وكتب الشيخ محمود شلتوت [ 13101383 هجرية 1893 1963م ] فى تفسيره للقرآن الكريم تحت عنوان [ الزواج ميثاق غليظ ] يقول:

"لقد أفرغت سورة النساء على عقد الزواج صبغة كريمة ، أخرجته عن أن يكون عقد تمليك كعقد البيع والإجارة ، أو نوعا من الاسترقاق والأسر حيث أفرغت عليه صبغة"الميثاق الغليظ"."

ولهذا التعبير قيمته في الإيحاء بموجبات الحفظ والرحمة والمودة. وبذلك كان الزواج عهدا شريفًا وميثاقًا غليظًا ترتبط به القلوب ، وتختلط به المصالح ، ويندمج كل من الطرفين في صاحبه ، فيتحد شعورهما ، وتلتقى رغباتهما وآمالهما. كان علاقة دونها علاقة الصداقة والقرابة ، وعلاقة الأبوة والبنوة (هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن) (17) (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (18) . يتفكرون فيدركون أن سعادة الحياة الزوجية إنما تُبنى على هذه العناصر الثلاثة: السكن والمودة والرحمة..

وإذا تنبهنا إلى أن كلمة (ميثاق) لم ترد في القرآن الكريم إلا تعبيرًا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد ، والتزام الأحكام ، وعما بين الدولة والدولة من الشئون العامة والخطيرة ، علمنا مقدار المكانة التى سما القرآن بعقد الزواج إليها ، وإذا تنبهنا مرة أخرى إلى أن وصف الميثاق"بالغليظ"لم يرد في موضع من مواضعه إلا في عقد الزواج وفيما أخذه الله على أنبيائه من مواثيق (وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا) (19) . تضاعف لدينا سمو هذه المكانة التى رفع القرآن إليها هذه الرابطة السامية"."

ثم تحدث الشيخ شلتوت عن المفهوم الإسلامى الصحيح"للقوامة"فقال:

".. وبينت السورة الدرجة التى جعلها الله للرجال على النساء ، بعد أن سوى بينهما في الحقوق والواجبات ، وأنها لا تعدو درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التى يمتاز بها الرجل على المرأة ، بحكم الكد والعمل في تحصيل المال الذى ينفقه في سبيل القيام بحقوق الزوجة والأسرة ، وليست هذه الدرجة درجة الاستعباد والتسخير ، كما يصورها المخادعون المغرضون" (20) .

تلك هى شبهة الفهم الخاطىء والمغلوط لقوامة الرجال على النساء.. والتى لا تعدو أن تكون الانعكاس لواقع بعض العادات الجاهلية التى ارتدت في عصور التراجع الحضارى لأمتنا الإسلامية فغالبت التحرير الإسلامى للمرأة حتى انتقلت بالقوامة من الرعاية والريادة ، المؤسسة على إمكانات المسئولية والبذل والعطاء ، إلى قهر السيد للمسود والحر للعبد والمالك للمملوك !.

ولأن هذا الفهم غريب ومغلوط ، فإن السبيل إلى نفيه وإزالة غباره وآثاره هو سبيل البديل الإسلامى الذى فقهه الصحابة ، رضوان الله عليهم للقوامه.. والذى بعثه من جديد الاجتهاد الإسلامى الحديث والمعاصر ، ذلك الذى ضربنا عليه الأمثال من فكر وإبداع الشيخ محمد عبده والشيخ محمود شلتوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت