فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فمثلا لو أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) انتصر على العرب ، ثم بشر بأنه سينتصر على العجم، لقلنا: إنما قال هذا لحصول مقدمات لهذا الحدث ، وهو انتصاره على العرب، ولكن الأمر الغريب أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يبشر بهذه الأمور في ظروف هي أبعد ما تكون توقعا لها.
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا:أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا ،فَقَالَ: « قَدْ كَانَ مَن قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ،وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ » (360) .
فـ (الدعوة المحمدية في مكة عشر سنوات كلها إعراض من قومه عن الاستماع لقرآنه ، وصد لغيرهم عن الإصغاء له ، و اضطهاد و تعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به ، ثم مقاطعة له ولعشيرته ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في شِعب من شِعاب مكة ، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله أو نفيه ، فهل للمرء أن يلمح في ثنايا هذا الليل الحالك الذي طوله عشرة أعوام ، شعاعًا و لو ضئيلًا من الرجاء أن يتنفس صبحه عن الإذن لهؤلاء المظلومين برفع صوتهم و إعلان دعوتهم ؟ و لو شام المصلح تلك البارقة من الأمل في جوانب نفسه من طبيعة دعوته ، لا في أفق الحوادث ، فهل يتفق له في مثل هذه الظروف أن يربوا في نفسه الأمل حتى يصير حكمًا قاطعًا ؟ وهَبْهُ امتلأ رجاء بظهور دعوته في حياته ما دام يتعهدها بنفسه ، فمن يتكفل له بعد موته ببقاء هذه الدعوة وحمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية ؟ و كيف يجيئه اليقين في ذلك و هو يعلم من عبر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين ؟ ، فكم من مصلح صرخ بصيحات الإصلاح فما لبثت أصواته أن ذهبت أدراج الرياح ، وكم من مدينة قامت في التاريخ ثم عفت ودرست آثارها ، وكم من نبي قتل ، وكم من كتابٍ فقد أو انتقص أو بدل، وهل كان محمد( صلى الله عليه وسلم ) ممن تستخفه الآمال فيجري مع الخيال ؟ إنه ما كان قبل نبوته يطمع في أن يكون نبيًا يوحى إليه ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمةً من ربك ( [القصص:86] و لا كان بعد نبوته يضمن لنفسه أن يبقى هذا الوحي محفوظًا لديه ( و لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا و كيلًا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرًا ( [الإسراء: 86-87 ] ؛ فلابد إذًا من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه ، ومن ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر المتقلب المملوء بالمفاجآت ؟ إلا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها ، و الذي قدر مبدأها و منتهاها ، و أحاط علمًا بمجراها و مرساها ، فلولا فضل الله ورحمته الموعود بهما في الآية الآنفة ، لما استطاع القرآن أن يقاوم تلك الحروب العنيفة التي أقيمت ولا تزال تقام عليه بين آن وآن . سل التاريخ: كم مرةٍ تنكر الدهر لدول الإسلام ، و تسلط الفجار على المسلمين فأثخنوا فيهم القتل ، و أكرهوا أممًا منهم على الكفر ، و أحرقوا الكتب ، و هدموا المساجد ؛ وصنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع هذا القرآن كلًا أو بعضًا كما فعل بالكتب قبله ؛ لولا أن يد العناية تحرسه فبقي في وسط هذه المعامع رافعا راياته وأعلامه ، حافظا آياته وأحكامه ، بل اسأل صحف الأخبار اليومية كم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تنفق في كل عام لمحو هذا القرآن ، وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ، ثم لا يظفر أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( [الأنفال:36] ، ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يُمسك السماوات والأرض أن تزولا ، ذلك بأن الله ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( [التوبة: 33] ، والله بالغ أمره ومتم نوره فظهر ، وسيبقى ظاهرا ، لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله ) (361) .
ومثل ذلك ما حصل في حادثة الهجرة وهو مطارد من قريش ، وليس معه إلا رجل واحد، والكل يتربص به ليقتله أو يسلمه ليأخذ الجائزة ، ثم يقول لسراقة: « كيف بك إذا لبست سواري كسرى » ثم يتحقق هذا الأمر ويلبسهما في زمن عمر بن الخطاب (362) .