فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد عقد الدكتور الفذ محمد عبدالله دراز فصلا في كتابه"النبأ العظيم"عن هذا المطلب (448) ، وبيَّن فيه أن من أدلة صدق القرآن وأنه ليس من البشر الوحدة الموضعية لكل سورة، فكل سورة معقودة للتكلم عن موضوع معين ، ومع كبر بعض السور وامتداد نزولها على عدة سنوات إلا أن هذه الوحدة لم تنخرم ولم تنُس ولم تتبدل ، ثم ضرب لهذا مثلا: فقال: مَثَلُ ذلك كقصر مبني في السماء، ثم ينزل الله منه كل يوم قطعة ، فمرة ينزل النافذة ومرة ينزل السقف، ومرة ينزل الجدار، ويأمر الله نبيه بأن يضع الجزء كذا في مكان كذا ، فيفعل وهو لا يدري لماذا ، ولكنه هكذا أُمر ، فلا ينتهي التنزيل إلا ويتضح للجميع مدى توافق هذا البنيان وإحكامه ودقة تصميمه.
ولو أنك أخذت كلام أي إنسان لمدة سنة واحدة فقط ، ثم أردت أن تجعل منه موضوعا متناغما ، أو أفكارا منسجمة مع بعض لما استطعت إلى ذلك سبيلا .
ثم دلل على ذلك بأطول سورة في القرآن ، وهي البقرة التي نزلت على مدار تسع سنوات ، ونزل في أثنائها أغلب السور المدنية ، ومع هذا كان بناء سورة البقرة في غاية الإحكام ولم تختلط به أي آية من غيره.
قال دراز -رحمه الله- في نظام عقد المعاني في سورة البقرة (449) :(اعلم أن هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من: مقدمة ، وأربعة مقاصد ، وخاتمة، على هذا الترتيب:
المقدمة:في التعريف بشأن هذا القرآن وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حدا من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم ، وإنما يعرض عنه من لا قلب له أو من كان في قلبه مرض.
المقصد الأول: في دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام .
المقصد الثاني: في دعوة أهل الكتاب إلى اعتناق الإسلام.
المقصد الثالث: في عرض شرائع هذا الدين تفصيلا.
المقصد الرابع: ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم عن مخالفتها.
الخاتمة: في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد ، وبيان ما يرجى لهم في آجلهم وعاجلهم). ثم دلل على كل ما سبق تدليلا واضحا للعيان مدى مطابقته للواقع ، فإن تم هذا لسورة للبقرة وهي أطول سورة في القرآن وأكثرها آيات وامتد نزولها على تسع سنوات فما بالك بغيرها من السورة ، لا شك أنه أولى وأحرى .
ثم قال رحمه الله: (إن اجتماع هذه الأسباب في كل سورة متفرقة النجوم ، دون أن تغض من إحكام وحدتها ، ولا استقامة نظمها هو بالتحقيق معجزة المعجزات) (450) .
(448) من ص: 143-211.
(449) النبأ العظيم (ص:163) .
(450) انظر النبأ العظيم ، لدراز (ص:150) ، وانظر من أساليب الغزو الفكري الطعن في القرآن، للدكتور: غنايم (ص:540) .
المطلب الخامس: عدم التناقض:
وقد أشار الله تعالى إلى هذا الدليل في قوله سبحانه:
( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ( [النساء:82] .
قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: ( القول في تأويل قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ؛ يعني جل ثناؤه بقوله: {أفلا يتدبرون القرآن} أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله ؛ فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق ؛ فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض) (451) .
وفي طيات هذه الآية تحدي ، كأنه يقول: تدبر القرآن، وستجده خاليا من التناقضات، ولن تستطيع أن تجد تناقضا واحدا، مما يدلك ، أنه من عند الله ؛ إذ لو كان من البشر ، لكان فيه اختلاف كثير ، وتناقض واضح.
فكتاب ينزل على مدار ثلاث وعشرين سنة منجما مفرقا ، على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا تجد فيه أي تناقض ، إن هذا لشيء عجاب، قال ابن كثير -رحمه الله-: ( يقول تعالى آمرا لهم بتدبر القرآن وناهيا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق ولهذا قال تعالى"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"ثم قال"ولو كان من عند غير الله"أي لو كان مفتعلا مختلفا كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافا أي اضطرابا وتضادا كثيرا أي وهذا سالم من الاختلاف فهو من عند الله ) (452) .
وقال القرطبي -رحمه الله-: ( ليس من متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير ؛ إما في الوصف واللفظ ؛ وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب، فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره ؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف ولا ردا له في معنى ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون) (453) .