فهرس الكتاب

الصفحة 2279 من 4557

عن ابْنَ عَبَّاسٍ قالُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ:لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ،فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ( الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ...-الحديث وفيه-: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم ) لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: « مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى ؟ » فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً؛ فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) : « مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ » ،قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ ،أَعْنَاقَهُمْ فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عُقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ -نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ؛فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا . فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْتُ ،فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ ،فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ ،وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) : « أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ » شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ (، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ( إِلَى قَوْلِهِ: ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا (فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ(492) .

(وتأمل آية الأنفال المذكورة ، تجد فيها ظاهرة عجيبة ؛ فإنها لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم ، وقد بُدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة ، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها وتطيب النفوس بها ، بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها(493) . فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول الكلام - لو كان عن النفس مصدره - يمكن أن يصدر عنها آخره , ولما تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب و الندم و بين ابتسامة الرضا و الاستحسان ؟ كلا ، و إن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين , لكان الثاني منهما إضرابًا عن الأول ماحيًا له ، و لرجع آخر الفكر وفقًا لما جرى به العمل . فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر الممحو و تسجيله ، على ما فيه من تقريع علني بغير حق ، و تنغيص لهذه الطُعمة (494) التي يراد جعلها حلالًا طيبًا ؟ إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن هاهنا ألبتة شخصيتين منفصلتين ، و أن هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أسأتَ و لكني عفوت عنك و أذنت لك ) (495) .

ومثل هذا قوله تعالى: ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( [التوبة:43] ،

وقوله سبحانه: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ...( [الأحزاب:37] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت