فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هكذا سماه القرآن حيث يقول: ( و إذا لم تأتهم بآيةٍ قالوا لولا اجتبيتها ، قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ( [الأعراف: 203] ، و يقول:( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن اتبع إلا ما يوحى إلي ( [يونس: 15 ] و أمثال هذه النصوص كثيرة في شأن إيحاء المعاني ، ثم يقول في شأن الإيحاء اللفظي: ( إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا ( [يوسف: 2 ] ، ( سنقرئك فلا تنسى ( [ الأعلى: 6] ، ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه و قرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، ثم إن علينا بيانه ( [القيامة:16 -19 ] ،( اقرأ ) ( [العلق:1] ، ( و اتل ( [الكهف: 27 ] ، ( و رتل ( [المزمل: 4 ] فانظر كيف عبر بالقرآن بالقراءة و الإقراء ، و التلاوة و الترتيل ، و تحريك اللسان ، و كون الكلام عربيًا ، و كل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة .
القرآن إذًا صريح في أنه"لا صنعة فيه لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، و لا لأحد من الخلق ، و إنما هو منزل من عند الله بلفظه و معناه"،
و العجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة ، و هو أنه ليس من عند محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) (488) .
2-لو كان القرآن من تأليف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، لاستطاع العرب أن يأتوا بمثله ،مع حرصهم الشديد على معارضته ، لكن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يتحداهم دائما ويكرره عليهم كثيرا ، ومع هذا لم يطق أحد منهم معارضته، ولا يقال:إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بلغ من العبقرية مبلغا ،بحيث لم يستطع أحد أن يأتي بمثل ما قال . لأنه يمكن للمخالفين أن يجتمعوا فيألفوا قرآنا ، ومن المعلوم أن الجماعة تبدع وتبتكر أكثر من الإنسان الواحد ، فلو اجتمع مائة شاعر مثلا لتأليف قصيدة ؛ لكانت في جمالها وقوتها وسبكها أفضل بمراحل من شاعر واحد ألف قصيدة ، مهما بلغ هذا الشاعر من البلاغة والبيان (489) ، فإذا كان آحاد المشركين لم يستطيعوا معارضة القرآن؛ فلماذا لم يجتمعوا لمعارضته ؟ ولكن هيهات ؛ فإنه لو اجتمعت قريش والعرب وأهل الأرض قاطبة ، بل والجن ما كانوا لهم أن يأتوا بمثل آية منه ( قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ( [الإسراء:88] .
3-(تبرؤ محمد(من نسبة القرآن إليه ليس ادعاء يحتاج بينة ،بل هو إقرار يؤخذ به صاحبه ؛
في الحقيقة إن هذه القضية لو وجدت قاضيًا يقضي بالعدل ، لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه ، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل ، ذلك أنها ليست من جنس ( الدعاوى ) فتحتاج إلى بينه ، و إنما هي من نوع ( الإقرار ) الذي يؤخذ به صاحبه ، و لا يتوقف صديق و لا عدو في قبوله منه ، أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة ،ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة ، نقول أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره ، و ينسلخ منها انسلاخًا ؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة و فخامة شأن ، و لو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه و يزعمها لنفسه .
الذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم ،فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله و غلت قيمته و أُمنت تهمته ، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى ،و يلبس من أكفانهم و يخرج على قومه في زينة من تلك الأبواب المستعارة ؛ أمَّا أن أحدًا ينسب لغيره أنفس آثار عقله ، وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد ) (490) .
4- (لا أدل على أن الوحي القرآني خارج عن الذات المحمدية من مخالفة القرآن في عدة مواطن لرأيه الشخصي ولطبعه الخاص) (491) ومعاتبته على أخطائه:
مثل قوله تعالى: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما أخذتم عذاب عظيم ( [الأنفال:67]