فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( [سبأ:43] .
وتقدم في مبحث ردود القرآن على الطاعنين تفصيل هذا الطعن ورد القرآن عليه ،ولا زال الطاعنون يرددون هذه الشبهة إلى اليوم:
ففي دائرة المعارف الإسلامية: (القرآن ليس من عند الله ) (474) .
ويقول المستشرق ويلز (475) : (محمد هو الذي صنع القرآن ) (476) .
ويقول يوليوس فلهاوزن (477) : (القرآن من عند محمد ) (478) .
ويقول غوستاف لوبون (479) : ( القرآن من تأليف محمد) (480) .
ويقول درمنجهام (481) -وهو يصور النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالفنان أو الشاعر الذي يتأمل الطبيعة ،ثم يبدع في التأليف-:( وهذه النجوم في ليالي صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق ، حتى ليحسب المرء أنه يسمع بصيص ضوئها ، وكأنه نغم نار موقدة.
حقا إن في السماء لشارات للمدركين ، وفي العالم غيب بل العالم غيب كله ؛ لكن ألا يكفي أن يفتح الإنسان عينيه ليرى ، وأن يرهف أذنه ليسمع ، ويرى الحق ويسمع الكلم الخالد ، لكن للناس عيونا لا ترى وآذانا لا تسمع ، أما هو فيحسب أنه يسمع ويرى ، وهل تحتاج لكي تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب مخلص مُلِئَ إيمانا...) (482) .
ويقول نولدكة (483) : (كانت نبوة محمد نابعة من الخيالات المتهيجة ، والإلهامات المباشرة للحس أكثر من أن تأتي من التفكير النابع من العقل الناضج ، فلولا ذكاؤه الكبير لما استطاع الارتقاء على خصومه ، مع هذا كان يعتقد أن مشاعره الداخلية قادمة من الله بدون مناقشة) (484) .
ومجمل أقوال المستشرقين وغيرهم من الطاعنين في الوحي الذي يوحى إليه (؛أن هذا القرآن إنما هو:
1-إلهام سمعي.
2-تأثير انفعالات عاطفية.
3-لأسباب طبيعية عادية كباعثة النوم (التنويم الذاتي) .
4-تجربة ذهنية فكرية.
5-حالة كحالة الكهنة والمنجمين.
6-حالة صرع وهستيريا (485) .
7-ول نصر أبو زيد -مُلَمِّحًا إلى هذا الطعن-: (القرآن ينتمي إلى ثقافة البشر) (486) .
-الرد على هذه الدعوى:-
1-بداية ؛ فقد فَصَلَ الله تعالى هذه القضية بقوله:( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ ( [يونس:37] .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: ( هذا بيان لإعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله ، لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة ، لا يكون إلا من عند الله، الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله ، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ؛ ولهذا قال تعالى: ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ( أي مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ، ولا يشبه هذا كلام البشر ( ولكن تصديق الذي بين يديه ( أي من الكتب المتقدمة ، ومهيمنا عليه ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل ، وقوله: ( وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ( أي وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانا شافيا كافيا ،حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين ، كما في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب:(فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم) أي خبر عما سلف وعما سيأتي وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه) (487) .
(لقد علم الناس أجمعون - علمًا لا يخالطه شك - أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي ، ولد بمكة في القرن السادس الميلادي ، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، صلوات الله و سلامه عليه و على آله .. هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها و لا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض .
أما بعد ؛ فمن أين جاء به محمد بن عبد الله ( ؟
أَمنْ عند نفسه و من وحي ضميره ، أم من معلم ؟ و مَن هو ذلك المعلم ؟
نقرأ في هذا الكتاب أنه ليس من عمل صاحبه ، و إنما هو قول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثَمَّ أمين: ذلكم هو جبريل عليه السلام ، تلقاه من لدن حكيم عليم ، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصًا من النصوص ، و لم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا:
1)الوعي و الحفظ ، ثم
2)الحكاية والتبليغ ، ثم
3)البيان والتفسير ، ثم
4)التطبيق و التنفيذ .
أما ابتكار معانيه و صياغة مبانيه فما هو منها بسبيل ، و ليس له من أمرهما شيء ، إن هو إلا وحيٌ يوحى .