فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أرأيت لو كان هذه التقريعات المؤلمة (499) صادرة عن وجدانه ، معبرة عن ندمه ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه ؛ أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع ؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه ، و استبقاء لحرمة آرائه ؟ بل إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه , لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئًا من ذلك الوجدان ،و لو كان كاتمًا شيئًا لكتم أمثال هذه الآيات ، و لكنه الوحي لا يستطيع كتمانه ( وما هو على الغيب بضنين( [ سورة التكوير الآية: 24 ] ) (500) .
وقد أقر بهذا الدليل بعض المستشرقين ، مثل المستشرق (ليتنر) حيث قال: (مرة أوحى الله إلى النبي( صلى الله عليه وسلم ) وحيا شديد المؤاخذة ؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى , ليخاطب رجلا غنيا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان محمد كاذبا -كما يقول أغبياء النصارى بحقه -لما كان لذلك الوحي من وجود) (501) .
5-موقف الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من النص القرآني موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات ، و يأخذ بأرفق احتمالاتها:
(وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها , لوجدتها تنحصر في شيء واحد ، و هو أنه ( كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثمًا , اختار أقربهما إلى رحمة أهله و هداية قومه و تأليف خصمه ، و أبعدهما عن الغلظة و الجفاء ، و عن إثارة الشبه في دين الله . لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحًا ، أو جاوزه خطأ و نسيانًا ، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر ، و رأى نفسه مخيرًا فتخير . هَبْهُ مجتهدًا أخطأ باختيار خلاف الأفضل ، أليس معذورًا و مأجورًا ؟ على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمه بشرية و إنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية ، هل ترى في ذلك ذنبًا يستوجب عند العقل هذا التأنيب و التثريب ؟ أم هو مقام الربوبية و مقام العبودية ، و سنة العروج بالحبيب في معارج التعليم و التأديب ؟ .
توفي عبد الله بن أُبي كبير المنافقين ، فكفنه النبي في ثوبه و أراد أن يستغفر له و يصلي عليه ، فقال عمر رضي الله عنه: أتصلي عليه و قد نهاك ربك ؟ فقال (: إنما خيرني ربي فقال (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ( [ التوبة: 80] و سأزيده على السبعين ،وصلى عليه ، فأنزل الله تعالى: ( و لا تصل على أحدٍ منهم مات أبدًا و لا تقم على قبره( [التوبة:84] فترك الصلاة عليهم) (502) ؛ اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين , و انظر ماذا ترى ؟ إنها لتمثل لك نفس هذا العبد الخاضع , و قد اتخذ من القرآن دستورًا يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية ، و تمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييرًا له بين طريقين , فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة , ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع . و هكذا كلما درست مواقف الرسول من القرآن في هذه المواطن أو غيرها , تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة , و معنى البشرية الرحيمة الرقيقة ؛ و تجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث و الأغراض , بل تصدع بالبيان فرقانًا بين الحق و الباطل ، و ميزانًا للخبيث و الطيب ، أحب الناس أم كرهوا ، رضوا أم سخطوا ، آمنوا أم كفروا ، إذ لا تزيدها طاعة الطائعين و لا تنقصها معصية العاصين ، فترى بين المقامين ما بينهما ، وشتان ما بين سيد ومسود ، وعابد ومعبود ) (503) .
6-نسبة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) القرآن إلى الله لا تكون احتيالًا منه لبسط نفوذه ، و إلا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله (504) .
(و لو أننا افترضناه افتراضًا لما عرفنا له تعليلًا معقولًا و لا شبه معقول , اللهم إلا شيئًا واحدًا قد يحيك في صدر الجاهل ، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في( نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي ) ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم , و نفاذ أمره فيهم ؛ لأن تلك النسبة تجعل لقوله من الحرمة و التعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه .
و هذا قياس فاسد في ذاته ، فاسد في أساسه ؛
أما أنه فاسد في ذاته , فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه و الكلام المنسوب إلى الله تعالى فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصةٍ من لزوم طاعته شيئًا ، و لا نسبة ما نسبه إلى ربه بزائدةٍ فيها شيئًا ، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء ، فكانت حرمتها في النفوس على سواء ، و كانت طاعته من طاعة الله ، و معصيته من معصية الله , فهلا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم.