فهرس الكتاب

الصفحة 2282 من 4557

و أما فساد هذا القياس من أساسه ؛ فلأنه مبني على افتراض باطل ، و هو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب و التمويه , و ذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كل الإباء , فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته و سكناته ، و عباراته و إشاراته ، في رضاه و غضبه ، في خلوته و جلوته لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة و المواربة ، و أن ذلك كان أخص شمائله و أظهر صفاته قبل النبوة و بعدها كما شهد و يشهد به أصدقاؤه و أعداؤه إلى يومنا هذا ( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم و لا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُرًا من قبله أفلا تعقلون(

[ يونس: 16 ] ) (505) .

وقد قدمنا أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شهد بصدقه الصديق والعدو، وشهد بصدقه من عاشره ومن رآه لأول وهلة ، ومن سمع به وبأخباره.

ونزيد على ما سبق شهادة أكبر المعاندين في قريش , ورأس الكفر , وفرعون هذه الأمة أبو جهل فعن علي رضي الله عنه أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ (: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ( فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (( 506) .

7- (في بعض المواقف تكون حاجة النبي( صلى الله عليه وسلم ) للقرآن شديدة ،بل لقد كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول ، و كانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم ، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالًا و مجالًا ، و لكنه كانت تمضي الليالي و الأيام تتبعها الليالي و الأيام, ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرؤه على الناس ؛ ومع هذا لم يتقوله ولم ينزل عليه شيء) (507) ، مما يدلك على صدقه؛ إذ الكاذب لا يتأخر في افتراء الكذب عند الحاجة الماسة إليه، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

أ-عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث , وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة , فقالوا لهم:سلوهم عن محمد , وصفوا لهما صفته , وأخبروهم بقوله ؛ فإنهم أهل الكتاب الأول , وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء ،فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) , ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا: إنكم أهل التوراة , وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . قال: فقالوا لهم:سلوه عن ثلاث نأمركم بهن , فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم , فإنهم قد كان لهم حديث عجب ، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ،وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه , وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش , فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد , قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور . فأخبروهم بها فجاءوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) , فقالوا: يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به , فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « أخبركم غدا عما سألتم عنه » ولم يستثن فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خمس عشرة ليلة , لا يُحْدِثُ الله له في ذلك وحيًا, ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة , وقالوا: وعدنا محمد غدًا , واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه ،وحتى أحزن رسولَ الله ( مُكْثُ الوحي عنه, وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ،ثم جاءه جبرائيل- عليه السلام - من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف , فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم , وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية , والرجل الطواف , وقول الله عز وجل ( ويسألونك عن الروح قل الروح ( الآية(508) .

ب- فترة الوحي في حادث الإفك (509) :

(ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه -عائشة رضي الله- عنها و أبطأ الوحي ، و طال الأمر و الناس يخوضون ، حتى بلغت القلوب الحناجر , و هو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ و احتراس: « إني لا أعلم عنها إلا خيرًا » . ثم إنه بعد بذل جهده في التحري و السؤال و استشارة الأصحاب ، و مضى شهر بأكمله , والكل يقولون ما علمنا عليها من سوء ، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: « يا عائشة أما إنه بلغني كذا و كذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله » .

هذا كلامه بوحي ضميره ، و هو كما ترى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب ، و كلام الصدّيق المتثبت الذي لا يظن و لا يقول ما ليس له به علم ، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنًا براءتها ، و مصدرًا الحكم المبرم بشرفها و طهارتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت