فهرس الكتاب

الصفحة 2283 من 4557

فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل ؛ ليحمي بها عرضه , و يذب بها عن عرينه , و ينسبها إلى الوحي السماوي , لتنقطع ألسنة المتخرصين ؟ و لكنه ما كان ليذر الكذب على الناس و يكذب على الله ( و لو تقول علينا بعض الأقاويل ، لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين ( [ سورة الحاقة الآيات: 44- 47 ] (510) .

ج-لقد كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يتحرق شوقا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة ،وظل يقلب وجهه في السماء ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا , لعل الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة إلى البيت الحرام , ولكن رب القرآن لم ينزل في هذا التحويل قرآنا ,على الرغم من تلهف رسوله الكريم إليه إلا بعد قرابة عام ونصف العام (511) .

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ( قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم ) صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا , وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ) فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ...) (512) .

ولو كان الوحي من تأليف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) , لما تأخر كل هذه المدة لشيء يحبه ويشتهيه ويتشوف إليه ويتحرق شوقا له ، ولكنه وحي الله ولا ينزل إلا بأمر الله وإذنه.

8-توقف الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أحيانًا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان:

(لقد كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل , أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو و لا أصحابه تأويله , حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد . قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلامًا لا يفهم هو معناه ، و تأمره أمرًا لا يعقل هو حكمته ؟ .

أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل ، و أنه مأمور لا آمر ؟ .

وإليك بعض هذه الأمثلة:

-المثال الأول: موقفه في قضية المحاسبة على النيات:

نزل قوله تعالى: ( و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ( [ البقرة: 284 ] فأزعجت الصحابة إزعاجًا شديدًا ، و داخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء آخر ؛ لأنهم فهموا منها أنهم سيحاسبون على كل شيء حتى حركات القلوب و خطراتها ؛فقالوا: يارسول الله أنزلت علينا هذه الآية و لا نطيقها ، فقال لهم النبي( صلى الله عليه وسلم ) : « أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا و عصينا ؟ بل قولوا: سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير » فجعلوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله: ( لا يكلف الله نفسًا إلى وسعها ( إلى آخر السورة المذكورة(513) ، و هنالك علموا أنهم إنما يحاسبون على ما يطيقون من شأن القلوب , وهو ما كان من النيات المكسوبة و العزائم المستقرة ، لا من الخواطر و الأماني الجارية على النفس بغير اختيار . و موضع الشاهد منه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لو كان يعلم تأويلها من أول الأمر لبين لهم خطأهم و هم في أشد الحاجة إليه ، و لم يكن ليتركهم لهذا الهلع الذي كاد يخلع قلوبهم و هو بهم رؤوفٌ رحيم ، و لكنه كان مثلهم ينتظر تأويلها ، و لأمر ما أخر الله عنهم هذا البيان ، و لأمر ما وضع حرف التراخي في قوله تعالى: ( ثم إن علينا بيانه ( [القيامة: 19] .

المثال الثاني: مسلكه في قضية الحديبية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت